وهم الزمن الجميل

شكوى الناس من الناس قديمة، والتحسر على السالفين موجود في كل زمان ومكان، وجد نقش في إحدى الكهوف القديمة جدًا، يشكو فيه كاتبه أهل زمانه ويحن إلى أيام الراحلين عنه.
قيل في المأثور: “الناس أشبه بزمانهم منهم بآبائهم”. تعكس هذه الحكمة تأثر طباع البشر وأفكارهم بالظروف العامة والتقلبات الاجتماعية والاقتصادية لعصرهم، التي غالبًا ما تطغى على الموروثات العائلية في تشكيل هوية الفرد وسلوكه. يقول ابن دريد الأزدي:
الناس مثل زمانهم قدّ الحذاء على مثاله
ورجال دهرك مثل دهرك في تقلّبه وحاله
وكذا إذا فسد الزمان جرى الفساد على رجاله
هذه الأبيات تلتقط جانبًا مهمًا من العلاقة بين الإنسان وبيئته، فالناس لا يتشكلون في فراغ، بل يتأثرون بما يسود عصرهم من قيم وأفكار وظروف. غير أن حكمة ابن دريد لا ينبغي أن تفهم على أنها نفي لمسؤولية الفرد، بل تنبيه إلى قوة أثر المناخ الاجتماعي في صناعة السلوك. فإذا فسد الزمان بمعنى فساد معاييره وموازينه، اتسع أثر ذلك في النفوس والعلاقات.
مع ذلك يبقى في كل عصر رجال يرتفعون على ظروف زمانهم، فيقاومون انحرافه بدل أن يستسلموا له. ولعل أعظم الفضائل ليست أن يكون الإنسان ابن زمانه فحسب، بل أن يكون قادرًا على إصلاح زمانه حين يختل ميزانه.
ليس جديدًا على الإنسان أن يشكو زمانه، أو أن يتبرّم من أهل عصره، أو أن يتلفّت إلى الوراء متحسرًا على أيام مضت. شكوى من فساد الناس، وتذمّرًا من أحوال الزمان، وحنينًا إلى من رحلوا وانقضت أيامهم، بل وحنينًا إلى الأيام التي مضت من أعمار الناس.
فيا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب
كأن الإنسان، مهما اختلفت لغته وبيئته وعصره، يحمل في داخله ميلًا دائمًا إلى الاعتقاد بأن الخير كان أوفر فيما مضى، وأن ما حوله أقل مما يستحق. لذلك ترتفع تنهدات الناس، وتتردد على ألسنتهم في كل جيل عبارات من قبيل: “رعى الله أيام زمان”، و”باقي جيد ولا مائة جديد”، و”جني تعرفه ولا إنسي ما تعرفه”، كأن الماضي كان صفحة بيضاء خالية من العثرات والآلام والنقائص.
غير أن نظرة أكثر هدوءًا تكشف أن الذاكرة ليست دائمًا شاهدًا محايدًا. فالإنسان يميل بطبعه إلى الاحتفاظ بصور الأيام الجميلة، في حين تتراجع إلى الظل كثير من المتاعب التي صاحبتها. لهذا يبدو الماضي في كثير من الأحيان أجمل مما كان عليه في الواقع، لا لأنه كان كاملًا، بل لأن الزمن أزال من صورته كثيرًا من شوائبها. ومن هنا يقع بعض الناس في مفارقة عجيبة، يشتكون حاضرهم باستمرار، ولو أعيدوا إلى بعض ما يحنّون إليه من ماضيهم لوجدوا فيه من المشقة والقصور ما كانوا يفرّون منه بالأمس. لكأني بالإمام الشافعي يصف حالنا كأنه بيننا حين قال:
نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيبٌ سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنبٍ ولو نطق الزمان لنا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئبٍ ويأكل بعضنا بعضًا عيانا
فليس كل ماضٍ جديرًا بالتقديس، كما أن الحاضر ليس كله مدعاة للذم والتشاؤم. والإنصاف يقتضي أن ننظر إلى الأزمنة كلها بميزان واحد، لا بميزانين مختلفين، أحدهما متسامح مع الماضي، والآخر قاسٍ على الحاضر.
أما شكوى الناس من الناس، فهي وجه آخر من وجوه الطبيعة البشرية. فالمرء كثيرًا ما يجعل من نفسه مقياسًا يزن به الآخرين، فما وافق نظرته عدّه صوابًا، وما خالفها رآه نقصًا أو انحرافًا.
من هنا تتكاثر الأحكام، وتتسع دوائر المدح والذم، ويكثر التقديم والتأخير في تقييم الأشخاص والجماعات. والقليلون هم الذين يدركون أن البشر ليسوا نسخًا متطابقة، وأن لكل إنسان ظروفه وخلفياته ومواطن قوته وضعفه. وحين ينضج الإنسان تربويًا ونفسيًا، يتخفف من نزعة محاكمة الخلق، ويزداد قدرة على تفهمهم والرفق بهم.
عندئذٍ يقل تبرمه من الناس، ويخف حنينه المبالغ فيه إلى الأزمنة الغابرة، لأنه يتعلم أن الكمال لم يكن في الماضي، ولن يكون في الحاضر، ولن يتأتى لأحد في المستقبل، وأن السعادة لا تنشأ من مقارنة لا تنتهي بين الأمس واليوم، بل من الرضا الواعي الذي يرى الحسنات والعيوب معًا، ويعامل الحياة بقدر من العدل والحكمة.
مقالات ذات صلة: