
لا شك أننا جميعا أدركنا أن الزواج سُنة الله فى عباده حتى تتوافر لهم أسباب البقاء والاستمرار، البقاء كجنس بشرى والاستمرار فى أداء مهمتهم، ولكن الأمر الذى يغفل عنه الكثيرون هو فهمنا لحقيقة الزواج وأسباب استمراره أو فشله فلكل شئ خلقه الله وظيفة ولكل قانون وسُنة مقصد، فسبحان الله عما يصفون عندما يقول أو يظن أحدنا أن هناك سُنة قد شرعها الله ونحن فى غنى عنها أو قد نشعر بسعادتنا بدونها
قضى الأمر فى داخل كل إنسان عاقل بأن الله هو مصدر الكمال وكل ما فينا وحولنا فهو منه لا من غيره ولعلمه بالأصلح الذى يُسعد الإنسان ويُهذبه فقد أنزل علينا من علمه ورحمته كلمات تُريح من صَلُحت نفوسهم وابتغوا فى هذه الحياة كمالهم وسعادتهم آيات تعينهم على أداء ما جاءوا من أجله، فقد أخبرنا فى كتابه الكريم ” ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن فى ذلك آيات لقوم يتفكرون”
قبل أن ننظر إلى هذه الآية الكريمة بعين العقل دعونا نعرض مشكلة تعانى منها مجتمعاتنا ثم نعود لتلك الآية العظيمة التى تكون بمثابة الوقاية من تلك المشكلة، فإذا تأملنا قليلاً فى أوساط المتقدمين إلى الزواج والفئة العمرية عموما الذين يفكرون فى الزواج ونتتبع مفاهيم هؤلاء سنجد أن لهم مفهوم جديد عن الزوج أو الزوجة، تصور أظنه لا إرادى ناتج عن عدم فهم مقاصد هذا الأمر العظيم، فنجد أن الزوجة لها منظور عن الزوج وهو أنه رجل البيت وهو الذى يدبر شئون بيتهم والمسئول عن جلب الأموال وما إلى ذلك، والزوج أيضاً له مفهوم أنها أم لأولاده وهى المسئولة عن أمور المنزل ..إلخ
ولا ضرر فى ذلك وإنما الضرر أن يقتصر دور كل منهم على ذلك فقط!
إن التصور الخاطئ هو مقدمة كافية إلى أن تصبح هناك نتيجة صادمة ومخالفة لفطرتنا، نتيجة قادرة بما يكفى إلى أن تلوث براءة كل منا، فقد تَولد بسبب ذلك شعور داخل كل من الطرفين (الزوج والزوجة) أو المقبلين على الزواج عموما أنه بحاجة إلى علاقة أخرى تَسد فراغٍ ما عندهم سواءً كان فراغيا عاطفيا أو الحاجة إلى من يسمع لهم، أو احتياج لكلمات تُشعر كل منهم بذاته وبأهمية وجوده، تَولد أيضا جفاء بينهم أدى ذلك لعدم حاجة كل منهم إلى الآخر وبذلك ضاع مقصد الزواج ألا وهو السكن!
دعونا نفكر بصوت عالى ما معنى الزواج؟ وكيف يختار الإنسان من يسكن إليه؟ وكيف يختبر الإنسان إذا ما كان من يرتبط به مناسبًا أم لا؟ وما هى مهام كلا الطرفين؟ وما ينبغى على كل منهم أن يفعل نحو الآخر؟ وكيف يكون زواج هذا ومازال كل منهم يفتقد أشياء لا تستطيع أن تكتمل حياتهم بدونها، أشياء قد تُفسد الإنسان مع نفسه وتفسد علاقة كل منهم بالآخر وتجعله مقصرًا فى حقه؟ لماذا أصبحت ظاهرة أن لكل شخص زوج وحبيب وصديق والثلاثة لا يمثلهم شخص واحد بل اكثر ؟
أليس الزوج الذى قرر الإنسان أن يرتبط به هو الأولى أن يكون هو الرجل والزوج والحبيب والصديق ..إلخ؟! والعكس صحيح أن الزوجة أولى أن تكون للرجل هى الزوجة والحبيبة والصديقة…إلخ؟! وأخيرًا نعود لنسأل ما الذى يُوصل الإنسان لتلك المرحلة؟!
إن ما نعانيه الآن هو عدم المعرفة والجهل بحقيقة الزواج ووفق أى آلية يستمر ويبقى،
إن هذا الأمر ليس بهين وتتحمل عواقبه الأسرة بأكملها لتتوسع الدائرة لتحرق المجتمع بأكملها.
إن الزواج في نظر العقل هو زواج الأرواح قبل الطقوس بمعنى أن الإنسان لا بد أن يبحث عن من يشعره بكماله ويسد نواقصه أولاً وليس مهمًا هنا أن يتفقوا فى كل شئ ولكن هى مساحة ولو قليلة من المشتركات فيما بينهما وأن يمتلك كلا الطرفين إمكانية احتواء الآخر، كما أكدت الآية الكريمة السابق ذكرها ” لتسكنوا إليها ” فقد جعل الله نفس كل منهم السكن والمأوى للنفس الأخرى، فالسكن هو ما يجد فيه الإنسان الراحة والهدوء ويجد فيه من يشاركه معاناته وهمومه وسعادته وتكامله، سكن كلما خرجت منه نفس أحدهما اشتاقت إلى أن تعود، سكن يجد فيه الإنسان مرآته التى يرى فيها نفسه، سكن يغنيه عن من سواه، وبالكاد لا يكون هناك من يتساوى مع هذه الروح التى يسكن أو تسكن إليها كل منهم، ثم يأتى الرابط الحقيقى ألا وهو المودة والرحمة فيما بينهما بعد أن تزول جميع الروابط الزائفة من جمال الشكل وحسن المظهر.. إلخ هذا هو الزواج وكل ما نفعله من طقوس وكلمات نرددها ليس لها قيمة ولا معنى وما عادت تسمن ولا تغنى من جوع ما دامت روح كل منهما فى اتجاه!!