ولا تصعر خدك للناس

تلا الإمام في الركعة الثانية من صلاة الجمعة تلك الآيات: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)﴾.
وتلك الآيات من سورة لقمان وثيقة خالدة في الأخلاق جاءت على لسان لقمان الحكيم وهو يعظ ابنه وفلذة كبده، واضعًا الدستور الأخلاقي الخالد في أصول إيتكيت التعامل مع الآخرين: ولا تصعر خدك للناس.
“ولا تصعر” وفي قراءة أخرى ولا تصاعر: والصعر هو الميل والالتواء والانحراف والإعراض بالخد وهو جانب الوجه، والميل بالعنق والتجاهل وعدم الاكتراث، كلها من سمات المستكبرين الذين يتعالون على خلق الله، مستخدمين لغة الجسد وسيلة تعبيرية عن مكنون صدورهم من احتقار الآخرين والاستعلاء عليهم.
تلك الحركات الجسدية التي قد تبدو تلقائية عادية عند المغرورين، إلا أنها طعنات في كرامة الناس وتعميق لإحساسهم بالدونية، والشخص حينما يميل بخده ويعرض عن الناس ويمشي في الأرض وحيدًا فريدًا مختالًا فخورًا، يعتقد أنه سيخرق الأرض ويبلغ الجبال طولًا، لسان حاله كما يقول المثل المصري: “يا أرض انهدي ما عليك قدي”.
في حين أن الذي يتهدم فعلًا بنيان الحب والتواصل الاجتماعي، وغروره هو المسمار الأول في نعش الإنسانية، ونرجسيته بمقام المعول الافتتاحي الذي سينقض بسببها بنيان التراحم والتواد والتعاطف واللحمة الاجتماعية، وتنفصم من جرائها عروة المودة الوثقى.
فليمش الإنسان بطريقة معتدلة لا كبر فيها ولا خيلاء، فكيف يتكبر ابن التراب والطين على أخيه في الإنسانية ابن التراب والطين، الذي مآله في النهاية هو نفسه تحت الثرى والتراب؟!
لكن ذلك يحدث يوميًا، ويصول تيهًا في الأرض فيعربد ويميل بوجهه عندما يرفل في الحرير، عندما ينسى الطين أنه طين، متوهمًا أنه فرقد في العلا يتلألأ وأن أخاه الإنسان فحمة أو هباءة كما قال أبو ماضي، ويتمرد حينما ينتفخ كيسه بالدينار.
“واغضض من صوتك”: وكما أمرنا بغض البصر أيضًا أمرنا المولى عز وجل بغض الصوت، والصوت الزاعق الناعق لا يتواءم مع الرقي الإنساني، بل ينحدر إلى صفات الحيوانات الناعقة الناهقة الزاعقة.
ما أجمل أن يكون الإنسان خفيض الصوت هامس الحس مرهف المشاعر دمث الأخلاق لين العريكة رقيق الحاشية، فالصوت الزاعق هو صوت الرعد العقيم، أما المطر المثمر الذي ينزل بالخصب والنماء فلا صوت له.
وعندما يكون منطق الإنسان ركيكًا وحجته واهية وبرهانه مدموغًا يلوذ ويتشبث بأحباله الصوتية، فتعلو عقيرته ويرتفع صوته كما نرى في برامج التوجهات المتباينة التي تكرس الاختلاف وتحض على التناقضات، وتصب زيت الخلاف على أتون المشاحنات.
والأصوات الزاعقة سواء من مايكات أو ديچيهات أو أبواق السيارات تحدث التلوث الصوتي الذي يتلف الجهاز العصبي والأوعية الدموية للإنسان.
كما يتسبب الصوت المرتفع والمستمرّ في الفقدان المؤقت أو الدائم للسمع وارتفاع في ضغط الدم واختلال كهرباء القلب، نتيجة زيادة إفراز هورمونات الضيق والغضب والانفعال الأدرينالين والنورأدرينالين.
كما يحدث اضطراب في وظيفة الكليتين، بالإضافة إلى الضرر النفسي إذ تثير الضجة الشعور بالخوف والضغط على الأعصاب، وتخفض القدرة على التركيز بالأفكار والعمل والتعلم.
والتشبيه بصوت الحمار ليس قدحًا في وظيفة الحمار ولا طرحًا من قيمته كونه وسيلة لركوب الإنسان، فلقد امتن المولى عز وجل بالحمير حينما وضعت في سياقها، إذ وضع الحمير في جملة مفيدة مع الخيل التي في نواصيها الخير. قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:8). لكن التركيز هنا على قبح الصوت الزاعق.
ليتنا نتعلم التواضع والدماثة وأدب الاختلاف، وكيف نحب أنفسنا دون تطاول على الآخرين.
مقالات ذات صلة:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا