
غذاء روح الإنسان
(ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربى)
روح الإنسان يشوبها الغموض
الروح أو النفس الإنسانية، ذلك الجوهر المجرد المميز للإنسان وحده، والذى كان منذ القدم ولا يزال مثارًا لعجب وحيرة وجدل غالب بنى البشر متنوعين ما بين الفلاسفة والعلماء، أو مثار اهتمام خاص لأصحاب الذوق وأرباب الشهود، حتى أن من كل هؤلاء من عكفوا وكرسوا حيواتهم من أجل فهمها ووصفها والولوج إلى أسرارها ومعرفة دقائقها، والتى من أجلها قامت العديد من الأبحاث والتجارب ونشأت العلوم، يقولون أن ذلك بسبب طبيعتها غير المستقرة وأحوالها المركبة بكل ما تحمله من قوى وميولات ونزوعات وانفعالات وعواطف تؤثر وتتحكم فى أفعال الإنسان وقراراته وربما مصائره.. وينظر البعض إلى هذا الشق النفسانى المميز بما يحمل من عواطف وانفعال كالحب والتعلق والرحمة والشفقة والعطف على أنه جانب مكروه فى الإنسان نظرًا لأنه يدفعه فى كثير من المواقف إلى الرضوخ للغير والتواضع، بل لقد ذهب البعض فى ثنائية فكرية إلى وصفه بأنه يمثل جانب الضعف الإنسانى فى الوقت الذى ينبغى فيه لهذا الإنسان أن يتحلى بمظاهر القوة ليبقى ويسود، وعليه فإنه يجب أن يتخلى عن جانب الضعف فيه ويتنازل عن مشاعره وعواطفه فى مقابل نفعه ومصالحه.
من جهة أخرى يرى آخرون أن تلك العاطفة الإنسانية هى المورثة لألم الإنسان وشقائه فلولاها لما تألم وعانى جراء فقدانه لكثير من الأشياء والأفراد الذين ارتبط وتعلق بهم، فى محاولة لتجريد الإنسان من شقه الإنسانى والدفع به نحو أن يتحول إلى آلة صماء لا دور لها سوى التفكير المجرد الخالى من المشاعر والأحاسيس، حتى أن بعضهم يتساءل: لماذا خلق الله لنا قلوبًا لتحب وتتألم؟!! ألم يكن من الأفضل أن يُخلق الإنسان بلا عاطفة أو مشاعر؟
قلب الإنسان
فى اللغة قلب الشىء يعنى جوهره، وتقلب الشىء أى تغير من حال إلى حال، هكذا هو حال القلب فى الإنسان، قد يتعلق وقد يهجر، قد يحب وقد يكره، ولأن جوهر الإنسان هى نفسه وروحه المجردة، لذلك كانت النفس هى مصدر الحب والتعلق، هى من تسعد وهى من تشقى، هى من تتألم وتكره وتعشق وترتاح وتنفر وتنبسط، ولعل محاولة النظر إلى الجانب الآخر من القضية يجعلنا نتسائل: وماذا لو فقدت الأم مشاعر الحب واللهفة تجاه أطفالها؟! أكانت لتتحمل كل آلام وعذابات الولادة والسهر والتربية من أجل تنشأتهم؟! ماذا لو فقدنا عاطفتنا نحو الضعفاء والكادحين؟! أكانوا ليجدوا من يعمل من أجلهم ويتحمل المشاق فى سبيل توفير ما يحفظ لهم إنسانيتهم ويحميهم من الهلاك؟! ماذا لو فقدنا انتماءنا للأرض والعرض؟ أكنا نستطيع أن ندافع عن أنفسنا وأرضينا وأهلنا من أى اعتداء؟! ماذا لو فقدنا شعورنا باللذة الناجمة عن تناول الطعام والشراب والراحة؟! هل كنا نستطيع الحفاظ على حياتنا؟! ماذا لو انعدم شعورنا ببهجة ونشوة العلم؟! أكنا سنسعى للتعلم والمعرفة؟
من رحم الألم يولد الخير
ربما سيطرح السؤال الآخر؛ ولكننا أيضأ نتألم ولا يصيبنا جراء هذا التعلق والارتباط سوى مزيد من الألم والمعاناة.. ألا تورثنا المعرفة سوى مزيد من الألم؟! ألا نرتبط بالأشخاص ثم نصاب فيهم بخيبة الأمل والخذلان؟! ألم يكن يكفى أن نستشعر لذة وحلاوة الأشياء بدون حزن أو مشقة أو تعب؟!
وهل يتولد الارتباط والدافعية إلا من رحم المعاناة؟! ألا نعانى ألم الجهل فنسعى للمعرفة.. ألا نعانى ألم الضعف فنسعى لاكتساب القوة؟! ألا نعانى ألم العجز فنسعى لاكتساب القدرة؟ إن وظيفة القلب هو الارتباط ومن الارتباط تتولد الإرادة والدافعية للفعل، بدون المشاعر لم نكن لنتحرك، وبدون فضول المعرفة ولذتها لم نكن لنسعى فى اكتشاف ما جهل علينا وعلة الأشياء وأسبابها وحقيقة الواقع الذى نعيشه.. ما كنا لنعرف من نحن؟ وما هو سر وجودنا؟ إن التعلق والارتباط إنما ينشأ من كوننا نحن مفتقرين ومحتاجين، وقد فُطر القلب على التعلق بما كان جميلا وحائزًا على جوانب الكمال فيه.. إنما نتعلق بالشىء لأننا رأينا فيه جوانب من التناسق والاكتمال الذى نفتقده ونبحث عنه.. أو لأننا وجدنا فيه ما يعوض نقصًا نعانيه..
لذة المعرفة
نتألم بعد معرفة الحقيقة ليس لكون الحقيقة جالبة للحزن والتعاسة بل لأن زيادة وعينا يجعلنا ندرك حقيقة الواقع البائس الذى نعيشه بشكل أكثر عمقًا.. ذلك الواقع الذى لم يسع بقيته بالمثل إلى المعرفة والاكتمال ولو فعلوا لما تألمنا لحالهم.. ثم أليس عمق إدراكنا لواقعنا وتلمسنا لمشاكله وجذورها الحقيقية هو ما سيساعدنا على رفعها وإصلاحها بشكل أكثر واقعية؟ ألا يدفعنا ذلك إلى العمل على مساعدة الغير ورفع آلام الجهل والظلم عنهم فيتكامل المجتمع؟! هل كان بقاؤنا حائرين وغارقين فى غياهب الجهل سيغير من حال واقعنا المؤلم شيئًا؟ على العكس كنا سنظل نعانى ألم الجهل والتخبط والحيرة الى الأبد. وهل يرضى من يعتقد فى كون الظلم والقهر جبريًا ومفروضًا عليه وأن لا سبيل لتغييره؟! بالعكس سيظل دائمًا ساخطًا وغاضبًا وسيزيد من ذلك عدم إدراكه لطريق الخلاص والنجاة، ففى داخله سيشعر أنه ولا بد من وجود واقعًا أكثر جمالًا واكتمالًا عليه أن نسعى لتحقيقه..
بمن نتعلق؟
ثم إن القضية لم تكن أبدًا فى مبدأ التعلق وإنما فيم نتعلق! فنحن نشعر بالخيبة والخذلان بعد تعلقنا بالأشخاص ذلك لأنهم وإن حازوا على بعض وجوه الكمال من جهة لكنهم يفتقرون إليه من جهة أخرى، نتألم عندما نرى فيهم تلك الجوانب من النقص وعدم القدرة على سد حاجتنا كما نرجو ونأمل.. ذلك لأنهم لا فارق بينهم وبيننا فكما نفتقر ونحتاج فهم أيضا بحكم الخلقة والتكوين مثلنا.. من هنا كان ينبغى علينا أن نبحث عما يعوض نقصنا وحاجتنا لدى من يحوز على ذلك الكمال على نحو مطلق، على من لا يعتريه نقص ولا يشوبه شائبة، على من يستطيع جبر ضعفنا وسد حاجتنا من معين لا ينقطع ولا ينضب..
******
الله، واجب الوجود، حائز الكمالات على نحو مطلق من كل الوجوه وأصل كل وجود، ولما كان هو كذلك، فهو بالتبعية مستغنٍ عن كل شىء، فهو الوحيد جل جلاله الذى لا يعتريه نقص ولا تنشأ به حاجة لغيره، هو من حاز على صفات الجمال والكمال ، فلماذا يحتاج إلينا؟ لماذا خلقنا؟
*****
لأنه أراد لنا أن نسعد وأن نشعر بلذة القرب والسعادة المطلقة ، نكتمل ونتكامل بأن نستمد منه ما يعيننا على ذلك. خلقنا لأنه يحبنا..
فهل ما زلنا نتساءل لماذا وجد الحب ووجدت المشاعر؟!
لو انعدم الحب لما وُجدنا.. هكذا بكل بساطة
*******
يقول الله فى حديثه القدسى ” لم تسعنى أرضى ولا سمائى.. ولكن وسعنى قلب عبدى المؤمن ” .. فماذا لو لم يخلق الله لنا قلوبًا! أين كانت ستحل صفات الله فينا ؟ وأى شرف يحظى به الإنسان إذا كان قلبه محلًا لله!
اقرأ أيضا … رياضة الروح
اقرأ أيضا … القراءة غذاء الروح – لا يمكن تخيل حياة تليق بالإنسان دون قراءة واعية
اقرأ أيضا … أنا مكتئب، كيف أستعيد الروح ؟ – وكيف أتخلص من الكم الهائل من الهموم ؟