همج رعاع ينعقون مع كل ناعق!

“أبا الشمقمق”
يُحكى أن «أبا الشمقمق» (مروان بن محمد، وهو شاعر هجاء بخاري الأصل كان من موالي بني أمية) كان يأكل الطعام في الطريق في إحدى أسواق بغداد، فقبض عليه عامل الشرطة وزجره، وأمره أن يتوقف عن الأكل، وأخبره أن الأكل أمام الناس وفي الطرقات مذموم ومكروه شرعا وعرفا، فقال الشمقمق ممتعضا: “وأي ناس تقصد؟” فأجابه: “هؤلاء المارة بالسوق، ألا تراهم؟”، فضحك الشمقمق ساخرا وقال: “لكني لا أرى أمامي إلا بقـرا، رعاع ينعقون مع كل ناعـق، وهمهم عَلَفُهم!”.
غضب الشرطي، وقال: “هؤلاء أناس محترمون، ولماذا تستهزئ بهم؟ والله لآخذنك بذنبك إلى السجن!”، فاستوقفه الشمقمق وراهنه على أنهم بقر، وأنه سيثبت ذلك أمام أم عينيه، فوافق الشرطي، فصعد الشمقمق مرتفعا بالسوق، ونادى بأعلى صوته: “أيها الناس! أيها الناس!” فهبوا نحوه، واجتمعوا حوله كي يعرفوا صوله وأمره،
فقال: “لقد سمعت أبي عن جدي بما رواه عن جده وعن جده، عن فلان قال: إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «من أوصل لسانه أرنبة أنفه دخل الجنة»”، فما أن انتهى الشمقمق من هرجه، وإذا بالناس تخرج ألسنتها وتريد إيصالها إلى أرنبات أنوفها، فضحك الشمقمق من المنظر وضحك الشرطي،
فقال: “هل رأيت، أهؤلاء الناس الذين أخبرتني عنهم، أم هم بقر وأضل سبيلا؟”، فقال الشرطي: “والله إنهم كذلك، وصدق من قال فيهم همج رعاع، وأتباع كل ناعـق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق!”.
“جحا”
على المنوال ذاته، كان جحا غزير الشعر، فسأله أحد جلسائه مداعبا: «كم عدد شعر رأسك يا جحا؟»، فأجابه جحا بدون تردد: «عدده واحد وخمسون ألفا وثلاثمائة وتسع وستون شعرة». فقال له جليسه متعجبا: «وكيف عرفت ذلك؟!»، فأجابه جحا: «إن كنت لا تصدقني فقم أنت بعدّه شعرة شعرة»!
لقد احتكم جحا إلى جهل جليسه واستحالة قيامه عمليا بعدّ شعر رأسه، وهي المغالطة المعروفة منطقيا بمغالطة الاحتكام إلى الجهلAppeal to Ignorance . إن جحا نفسه جاهل بعدد شعر رأسه، لكنه أعفى نفسه من الاعتراف بجهله، وعول على جهل محدثه وعدم قدرته على التحقق ليثبت صدق قضية لا برهان على صدقها!
هكذا هو الواقع الذي نعيشه
هذا ما تجده بكثرة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، الترويج لمعلومة أو معلومات تفتقر إلى الدليل على صحتها، أو صحة عكسها، لا لشيء إلا لكونها ترضي نوازع بعينها لدى الأفراد والجماعات، أو تدعم سياسات وتوجهات يراد استثمارها مجتمعيا، ولا بأس من صور تعزز المعلومة وتكتسب قوة التصديق لدى العقل العاجز الخاوي!
لا بأس أيضا من استغلال للعاطفة الدينية أو الوطنية الجياشة للجمع المغيب! هذا هو المدخل الرئيس للانقسام والتخوين والتكفير والكراهية واللا معقولية في مجتمعات مجرفة الوعي، منزوعة الفكر، مدربة على الاندفاع والصراخ خلف أبواق الجهل! في وطني، المجد للجهل!
هكذا هم أكثر الناس في وطني؛ يتلاعب بهم تجار الأديان، سماسرة السياسة، ورويبضات الإعلام، يتبعون النواعق وكأنهم مرايا عاكسة، يعملقون الأقزام، وتحلو لهم الأوهام، ويساقون كالأنعام، فلا عقل، ولا استقصاء، ولا تأني في إصدار الأحكام،
وليتها تصدر عن عقولهم، بل عن شهواتهم وجهالاتهم؛ العلم عندهم شهادة وتوظيف دائم، والدين مجرد لُحى وعمائم، والوطن منصب وغنائم، بعث الله الرسول إليهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور، فاستحبوا العمى على الهدى، واتبعوا من يخرجونهم من النور إلى الظلمات!
التحدي الحقيقي الذي تعيشه كل يوم وكل لحظة في منطقتنا العربية هو أن تغادر بيتك كقطعة واحدة كاملة، ثم تعود إليه مرة أخرى كقطعة واحدة كاملة، التحدي الحقيقي أن تعود إلى بيتك ككائن بشري طبيعي، وألا تتحول– تحت أي ظرف– إلى شظايا إنسان أو بقايا عقل!
تشعر بين غزاة الشوارع وكأنك بين أمواج متلاطمة من العقول والسلوكيات الفجة، تتعذر معها الرؤية، وينسحب العقل، ويتبدد الأمل في الحاضر والمستقبل!
وطني بلا عقل.. مُختل ومُحتل ومُعتل!