هل كونفوشيوس نبي؟

أولا:
لم يدّع كونفوشيوس أنه نبي بحسب النصوص الكونفوشيوسية الواردة إلينا، وقد اعترف بعدم وصوله إلى معرفة الطاو، فقال مثلا: “لو بلغني الطاو صباحا فلا أسف لي على الموت مساء”، والمراد بالطاو هنا الحقائق الكبرى في الإلهيات والغيبيات المؤيدة بالوحي، ولا يصح تفسيرها بنظام الأخلاق، كما فعل كثير من الباحثين، فإن نظام الأخلاق هو نقطة القوة في مذهبه، وهو الذي أفنى عمره في تنقيحه ونشره، وهو واثق به كل الثقة، فكيف يتأسف على عدم الوصول إليه؟
ويشهد لذلك ما ورد في كتاب (الحوار) أنه يتجنب الحديث عن الغرائب والخوارق والتمرد والملائكة، وأنه لما سئل عن حقيقة الموت أو بعده وعن خدمة الأرواح، أجاب بقوله: “لم نعلم الحياة، فكيف نعلم الموت؟ ولم نعلم خدمة الأحياء، فكيف نعلم خدمة الأرواح؟” (يراجع كتاب الحوار).
وغير ذلك كثير من الشواهد من أقواله وأقوال تلاميذه تدل على أن كونفوشيوس لم يكن نبيا، وإنما ورث التقاليد والتعاليم القديمة، التي لا زالت فيها آثار وحي متناثرة مشوبة بالغموض أو التغير، ويمكن للعالم المسلم أن يلاحظها بدون عناء كبير.
ثانيا:
ورد في رواية أحد الفلاسفة الطاويين الأقدمين اعتراف صريح من كونفوشيوس بأنه ليس بنبي، والرواية وإن كانت ليست عن طريق الكونفوشيوسيين، ولكنها تنسجم مع ما ورد في المصادر الكونفوشيوسية ، وهي رواية منسوبة إلى ليا تسي (列子) 450 – 375 ق.م تقريبا، ونصها كالآتي:
“ذهب وزير مملكة سونغ لرؤية كونفوشيوس، وسأله: هل أنت نبيّ؟ قال كونفوشيوس: أين أنا من النبي؟! وإنما أنا رجل واسع الاطلاع والمعرفة.
وقال: هل الملوك الثلاثة أنبياء؟ قال كونفوشيوس: الملوك الثلاثة معرفون بالحكمة والشجاعة، ولكني لا أعلم إن كانوا أنبياء أم لا.
وقال: هل الأباطرة الخمسة أنبياء؟ قال كونفوشيوس: الأباطرة الخمسة معروفون بالفضيلة والعدالة، ولكني لا أعلم إن كانوا أنبياء أم لا. وقال: هل الزعماء الثلاثة أنبياء؟ قال كونفوشيوس: الزعماء الثلاثة معروفون بالتكيف مع العصر، ولكني لا أعرف ما إذا كانوا أنبياء أم لا.
فلما سمع وزير سونغ إجابات كونفوشيوس ذُعر، فقال: إذن من هو النبي؟ فلما سمع كونفوشيوس هذا السؤال تغير وجهه، ومكث مليا،
ثم قال: من أهل الغرب (ما وقع في جهة الغرب من الصين، وليس المراد بها مكانا محددا) نبيّ، لا يحدث لبلده الفوضى وإن لم يَحكم، ويصدّقُ كلامه وإن لم يتكلم، وتتّبع دعوته وإن لم يدعُهم، وإن فضله لعظيم، ولا يستطيع الناس أن يوفوه حقه من الثناء، وإني أظنه نبيا، ولكن لا أعلم يقينا هل هو نبي أم لا.” كتاب ليان تسي، فصل كونفوشيوس.
الملوك الثلاثة:
مؤسسو أقدم الأسر الحاكمة الثلاث في تاريخ الصين، وهم: يو المؤسس الحقيقي لأسرة شيا (2017 – 1600 ق.م)، وتانغ مؤسس أسرة شانغ (1600 – 1046 ق.م)، ووو مؤسس أسرة تشو (1046 – 771 ق.م)، وهم على ما اشتهر في الروايات القديمة ملوك صالحون، واعتقد الكونفوشيوسيون المتأخرون أنهم الملوك المثاليون الذين جمعوا بين النبوة والملك، مع العلم أن مفهوم النبوة في الثقافة الصينية أصبح يتركز على جانب الكمال الخلقي على حساب جانب الوحي.
الزعماء الثلاثة والأباطرة الخمسة:
هم الحكام الأسطوريون الذين حكموا الصين القديمة قبل عصور الأسر الحاكمة في تاريخ الصين.
اقرأ أيضاً:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
*****************
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا