فن وأدب - مقالاتمقالات

هل روجت السينما للعنف والبلطجة؟

هل أدى عنف المجتمع إلى عنف السينما أم العكس؟

ما إن تحدث جريمة في الشارع الآن إلا ويتبارى الجميع في إدانة السينما بأنها المسؤول الأول عن زيادة معدلات الجريمة والعنف، وأن لولا ما قدمته من أعمال عنف وجرائم ما كان الشارع المصري وصل إلى ما وصل له الآن! وآخر هذه الاتهامات كان بعد وقوع الجريمة البشعة في مدينة الإسماعيلية وفي وضح النهار.

اتهام باطل

وهو اتهام غير أنه باطل وحمّل السينما بأكثر مما تتحمل، إلا أنه يحمل في طياته نظرة قاصرة وغير موضوعية للسينما ولمشاكل المجتمع أيضا، السينما في الأساس تهدف للتسلية والترفيه ليس إلا، قد تتعرض إلى قضية مجتمعية أو تحمل بداخلها رسالة ما مثل رفض الشر والظلم وتجبر السلطة وحب الخير والحق،

إلا أن الهدف الرئيسي يظل هو الترفيه فقط، ولم يسجل التاريخ أن هناك ثورة أو مظاهرات قامت بسبب فيلم، أو جريمة حدثت تأثرا بعمل فني، أو تمثال جميل كان سببا في خروج الإنسان من دينه والعودة لعبادة الأصنام، كما أن الظواهر الاجتماعية مثل زيادة العنف، التحرش، الإدمان، الاغتصاب، الطلاق، الإرهاب..

وغيرها من الظواهر الاجتماعية التي تظهر من وقت لآخر، لها أساليب علمية في المناقشة ومعرفة الأسباب والنتائج وطرق العلاج، وليس بهذا الأمر تُحل الأمور، أن نلقي بالتهم دون سند هو دليل براءة لكل مسؤول لم يقم بدوره كما يجب، ولا يؤدي ذلك إلى حل أي مشكلة ما دمنا غير جادين في معرفة المسؤول الحقيقي وما هو الحل.

هل يوجد إنسان يتمتع بقواة العقلية وسليم نفسيا، يتحول إلى قاتل أو مجرم بمجرد مشاهدته لفيلم أو حتى مجموعة أفلام؟ ما هو العمل الفني الذي كان سببا في حادث الإسماعيلية؟ ومن قبله جرائم ريا وسكينة، أو خُط الصعيد، ومن بعدهم مُغتصب فتاة المعادي وفتاة العتبة وحادث قتل امرأة بالإسكندرية لزوجها بالساطور؟ كلها حوادث حدثت بالفعل في المجتمع لأسباب مختلفة ثم تطرقت لها السينما المصرية بعد ذلك.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

السينما تعكس ما في الواقع ولا تخترعه

اتخاذ قرار بارتكاب جريمة ما قرار صعب لا يمكن اتخاذه إلا بعد ضغوط كبيرة وظروف قاسية مر بها الإنسان أدت لانحراف سلوكي ونفسي جعلته يرتكب جريمته، وليس مشاهدة عمل فني والتأثر به، وما يدفع الإنسان لارتكاب جريمة ما أسباب مختلفة، منها اقتصادية (فقر، بطالة)، أو مشاكل نفسية سببها الإدمان، كبت، خيانة، إحباط نتيجة فشل في الحياة،

ومع هذه الأسباب هناك عوامل مساعدة مثل الفساد، غياب القانون، الظلم، القهر، وبعدها يتحول الإنسان إلى شخص آخر قد يسلك طريق الجريمة أو ينتحر أو يتحول لإرهابي، أما السينما تأثيرها تراكمي في ذوق الجمهور أو سلوكه ومفرداته، ولا قدرة لها على أن تُحول شخصا سويا إلى قاتل أو متحرش،

تكرار مشاهدة أعمال العنف والقتل في السينما يؤدي إلى تبلد المشاعر واعتيادها وعدم الانزعاج من مشاهدتها في الحقيقة، ولكن لا تؤدي إلى تنفيذها بدون أسباب مباشرة خاصة بظروف وحياة القاتل.

السينما تعكس ما في الواقع ولا تخترعه، وما قدمه محمد رمضان أو أحمد السقا من أعمال عنف وبلطجة كانت في الأساس موجودة في المجتمع ومنتشرة، وقامت السينما برصد ما هو موجود وإلقاء الضوء عليه حتى ينتبه المسؤولون ويبحثوا عن حل، ولو لم يكن موجودا ما كانت رصدته وما تابعه الجمهور وحقق النجاح،

قد نختلف على طريقة الرصد والمعالجة ومستوى العمل، ولكن لا نحمل السينما سبب انتشار المخدرات والسلاح في الشارع، وزيادة معدلات الجريمة والتحرش والاغتصاب، تغير أعمال العنف أو الأكشن بداية من أعمال فريد شوقي والمليجي حتى رمضان والسقا هي صورة مُصغرة لما حدث من تغير في الشارع المصري والحارة المصرية،

والتغير هذا له أسباب أخرى ذكرناها هنا والكل يعلمها، لكن لا أحد يبحث عن الحل ما دام الحل الأسهل هو إلقاء المسؤولية والفشل على الغير، سواء كان فردا أو مؤسسة أو مجالا بعيدا عن صناعة القرار مثل السينما، البعض كرهوا ظهور هذه النماذج على شاشة السينما،

لكنهم لم يرفضوها في الواقع، وإلا كانوا سعوا لتغيير الواقع واختفاء هذه النماذج، في أعقاب نكسة 67 ظهرت مجموعة من الأفلام الجريئة لـ شمس البارودي وناهد شريف، وموجة أفلام أخرى قادمة من لبنان وتركيا وحققت نجاحا كبيرا، حتى أن الأفلام الأخرى سارت على نفس النهج، ومنها فيلم أبي فوق الشجرة والذي كُتب على أفيشه “أكبر عدد من القبلات في تاريخ السينما المصرية”، ودخل الجمهور ليشاهد هذا الكم وحقق الفيلم نجاحا كبيرا ولم نلحظ أو نسمع عن زيادة معدلات التحرش والاغتصاب بسبب هذه الأفلام.

دور السينما

للسينما دور كبير في تشكيل وعي الجمهور، ونأمل أن تقوم به كما يجب، وأن لا تنزلق خلف الأعمال التجارية رغم أهميتها لاستمرار الإنتاج، والتي تؤدي لتقديم أعمال سطحية أو لها مردود سلبي على المجتمع، لا بد من تنوع الإنتاج حتى تؤدي السينما ما عليها، كما يجب أن تتم دراسة الظواهر الاجتماعية والبحث عن الأسباب وطرق العلاج ونشر هذه الدراسات وتنفيذ ما بها، بدلا من البحث عن شماعة نضع عليها فشل المسؤولين وتخاذلنا نحن.

اقرأ أيضاً:

هل حاربت السينما المصرية التحرش أم روجت له؟

هل روجت السينما للدجل والشعوذة؟

السينما العالمية والشرق

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

*****************

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا