إصداراتمقالات

هل ترى الحق

في وسط ما نعيشه من تخبط و عبثية ، و في وسط كل تلك الضوضاء التي تصم الآذان، وفي وسط كل هذا الدخان الكثيف من الأكاذيب و الشعارات الزائفة ، نحتاج لأن نعرف الحق فنتبعه, نحتاج أن نميز الحق عن الباطل ..

فالكثيرون يتحدثون عن الحق و الدفاع عن الحق و الحفاظ على الحق , لكن ..

كيف السبيل إليه وسط كل تلك التراكمات من التشويه و التضليل و الإفساد ؟

بل ما هو الحق ؟ و ما هي صفاته ؟ و ما هي ملامحه ؟

لابد أولا أن نوحد المفاهيم بيننا و أن نعرف ما هو المقصود بالحق ..

اضغط على الاعلان لو أعجبك

الحق هو كل ما هو قائم في الواقع الخارجي من حولنا , سواء احتاج لدليل على وجوده أو كان بينا واضحا بنفسه .فوجود الإنسان على الأرض هو حق ، ووجود نهر النيل في مصر هو حق ،حاجة الإنسان للطعام و الشراب لأجل استمرار الحياة هو حق ،القوانين الرياضية و الفيزيائية هي حق، حب الأم لأطفالها هو حق ، حسن العدل و قبح الظلم هو حق .

فالحق لا يقتصر معناه على الحقوق المدنية للأفراد كما يتوهم البعض بل معناه واسع يشمل كل الحقائق و الموجودات المادية و المعنوية و المجردة .وليس أننا لم نعرف به أنه لا يصبح حقا , بل هو حق و إن جهلناه ،فوجود الإله الواحد الأحد هو حق وإن أنكره البعض .

والآن من ذلك التعريف فلنحاول أن نفهم الحق أكثر و نتعرف على خصائصه ..

الحق ثابت , أي ليس متغيرا بتغير الزمان أو المكان . فالقوانين الرياضية ثابتة و تعطي نفس النتائج سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل وهي كما هي سواء باللغة العربية أو الإنجليزية أو الهندية . وكذا الأمر بالنسبة لوجود الإنسان على الأرض و وجود نهر النيل و وجود الله.

ولو حاول البعض الإشكال في هذا الأمر و قال أن الحقائق العلمية متغيرة فيكون الرد أن ذلك التغير سببه الجهل بالواقع الصحيح منذ البداية و ليس أن الحق و الواقع تغير في نفسه , و لكن ما تغير هو علمنا و إحاطتنا به , فكل ما هو مبني على دليل و برهان يفيد اليقين و لا يتغير .

و تجدر الإشارة إلى أن هناك تغير كمي في العلوم أي زيادة في العلم و ذلك لتطور أدوات المعرفة ( كاستخدام الميكروسكوب مما يقوي حاسة البصر و رؤية أشياء لم نكن لنراها بالعين المجردة ) , فهو يعبر عنه بتغير مجازيا , لكن لم يتحول علم مثبت بدليل برهاني لنقيضه . فهنا هذا العلم ( الحق) لم يتغير لباطل و لكن زادت معرفتنا به .

الحق مطلق , أي ليس نسبي , بمعنى .. أن نهر النيل موجود في مصر بالنسبة لي و بالنسبة لغيري, و العدل حسن لي و لغيري و الظلم قبيح لي و لغيري . فلا يصح مثلا أن يكون ناتج ضرب 4*5 هو عشرون من وجهة نظري و يكون ثلاثون من وجهة نظر غيري !!

أما القائلون بنسبية الحق و ان كل شيء تابع لوجهة نظر كل شخص فهؤلاء يفتقدون ميزانا للمعرفة, و ذلك لأحد سببين:

إما هدفهم محاربة العقائد الدينية و القيم الأخلاقية , لأنهم يريدون مجالا واسعا من التحرك دون قيد أو شرط أو محاسبة, فهم في نفس الوقت لا يستطيعون القول بنسبية علم الرياضيات مثلا ، أو أنهم حيارى لم يهتدوا إلى أدوات المعرفة , كل أدوات المعرفة , أو لم يهتدوا إلى استخدامها الإستخدام الأمثل!

نعم , هناك بعض الحقائق التي تعتبر نسبية مثل الجمال الشكلي , أو الميل للون معين , أو اشتهاء نوع معين من الأطعمة فكل ذلك يخضع للذوق و الإستحسان و ليس له دليل أو برهان .

حسنا ..بعد تحديد معنى الحق و تحليل بعض خصائصه .. فهل يمكن تحديده و التعرف عليه ؟!

الإجابة نعم , يمكن أن نصل للحق بسهولة إذا استخدمنا الأداة المناسبة .. و هي العقل , بالإستعانة بأدوات أخرى ( الحس و التجربة و النص المقدس و أيضا القلب )

إذا لماذا اختلف الناس على الحق ؟

نستطيع حصر الإجابة في فئتين:

الفئة الأولى من الناس : تعاني نقصا في المعرفة , فهم لم يعرفوا الحق بدليل قاطع أو صحيح , بل كان علمهم به ظني أو أن برهانهم خاطئ .وهؤلاء تصويبهم يكون إلى حد ما سهلا , لأن الخطأ ناتج عن نقص المعرفة فيمكن تصحيحه بالعلم السليم , و إذا ما بينا لهم ما هو الحق و بينا موطن الخطأ تقبلوه و عملوا به . هذا بفرض ان نفوسهم سوية و فطرتهم سليمة , أما إذا لم يكونوا كذلك اندرجوا تحت الفئة الثانية .

الفئة الثانية من الناس : قصور في الإرادة و العزم , فهم يعلمون الحق علم اليقين , لكنهم غلّبوا قواهم الشهوية و الغضبية بسبب أهواء و أطماع في نفوسهم أو خوفا من التغيير , و رفضوا الإنقياد للقوة العقلية و ما وصل إليه العقل و دليله و برهانه , فكانت الأمراض الأخلاقية لها الغلبة والسيطرة على النفس , فشوهت مطلب الحق و غيرته , فأصبح هناك من يرى الحق مع من يمتلك القوة و السلطة , أو الحق ما هو مشهور و متعارف عليه بين الناس من عادات و تقاليد , أو الحق هو كل ما يقدم لي منفعة و مصلحة شخصية حتى لو على حساب الآخرين , فكانت أهواؤهم هي التي تحدد الحق و ليس عقولهم .

وفي هذه الفئة يكون العلاج صعب لأن تلك الأمراض تمكنت من أنفسهم حتى باتت ملكة خبيثة لا يمكن التخلص منها , إلا بالمجاهدة و مقاومة أهواء النفس لفترات طويلة و يجب أن تكون هناك رغبة حقيقية عندهم للتغيير .

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.

ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.

رشا الشتيحى

طبيبة أسنان

محاضرة وباحثة بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالاسكندرية