مقالات

كيف نفهم نظريات تفسير فلسفة التاريخ ؟

كتبت تهاني أحمد معلا عن فلسفة التاريخ

إن فلسفة التاريخ هي النظر للوقائع التاريخية بنظرة فلسفية، ومحاولة معرفة القوانين الأساسية التي تحكم سير الأحداث التاريخية والعمل على استنباط القوانين الثابتة التي تتطور بموجبها الأمم والدول ، والتنبؤ بالمستقبل كما يطمح البعض منها، وهي بهذا التعريف تقف بين منطق العلم ومنطق الفلسفة دون لزوم وجود تضاد بين المنطقين ، ومع ذلك فالقول بعلمية فلسفة التاريخ ، أي دقة تصوراتها ومناهجها إنما يجرح كبرياء الفلسفة ، أو يقلل من موضوعية العلم من حيث أنه علم ، و القول بالعلم ، أو إمكان الدراسة العلمية لموضوع معين إنما تستدعي التسليم بمقدمات أولية هي السببية والحتمية وغيرها مما ينبني عليه المنهج.

والدافع المحرك في غالب الأحيان  لدراسة تاريخ الإنسانية وكيفية مسيره وحركته ، هو رغبة في الإصلاح والتغيير إلى وضع يجب أن يكون  كما يراه الدارس للتاريخ ، وهي رغبة تستوجب مقولات أولية بعدم الرضا بالأوضاع الحالية، وبالتالي تصور ولو بسيط  لما يجب أن يكون ، وكل هذا وفق أيدلوجية أو بارادايم معين ، وهو ما قد ينتج مناهج بحث وتفسيرات متضاربة تختلف باختلاف مواقف الدارسين.

 أما من ناحية العلوم الطبيعية فقد لا يبدو أثر الأيدلوجية واضحاً جدا في تجلياتها ومنتجاتها على الرغم من توجيه الأيدلوجية لجهودها ومجال بحثها، ولكن إذ كما يقال ، غالبا ما تقف الأيدلوجية أمام أبواب المختبرات العلمية دون أن تدخلها ، ويحق لنا هنا أن نتساءل هل يمكن أن يوجد تفسيران متعارضان لحدث واحد ولا يكون أحدهما خاطئاً !!
هذه كانت مقدمة قد لا تبدو ذات شأن كبير بلب الموضوع ، ولكنها ضرورية في نظري عند قراءة التاريخ والنظريات المفسرة لأحداثه ، لفهم كل في سياقاتها وشروطها وافتراضاتها المعلنة والخفية، وبالتالي محاكمتها والاستفادة منها بصورة أفضل.

فكل نظرية تهدف لما تقدم ذكره  تستدعي نموذجا مبطنا يختزل الواقع بعض الشيء ، وقد يتحول إلى نموذج إدراكي مهيمن بتعبير الميسري رحمة الله عليه. وهي هنا في نظرتها الي التاريخ وأحداثه لا ترى منها إلا ما يدعم ويدخل في نطاق النموذج الذي تفترضه النظرية المفسرة التاريخ ،وقد تقود القائلين بها والمعتقدين فيها إلى صناعة مستقبل يوافق ذلك النموذج تماما ولا يخرج من حاكميته، إذ أن الممكن التاريخي في مخيالهم على اتساعه اقتصر على ما قدمته النظرية من تفسير لما صنع ماضيهم المُلهم لحركتهم في الحاضر ، ويمكن أن تكون النظرية الماركسية مثالا متطرفا نادرا في هذا الاتجاه ، فقد أعلت من شأن العامل الاقتصادي على ما سواه ، وجعلته هو المحرك للاجتماعي والسياسي والديني وبالتالي التاريخي ككل ، فقسمت تاريخ الإنسانية لمراحل بدءا من الشيوعية البدائية، ثم مجتمع العبيد والسادة ، ثم الإقطاع ،ثم الرأسمالية ،وأخيرا الشيوعية مرة ثانية في المستقبل. بالطبع بعد المرور بالفترة الانتقالية التي تفترضها وتُنَظر لها وهي الاشتراكية ، فالممكن المستقبلي هنا هو الوصول لحالة المشاع البدائي مرة أخرى لا غير ، وهنا تجب ملاحظة أنه وإن أتفق على خلل اختزال المسيرة الإنسانية في العامل الاقتصادي ، فإن الخلل إنما يكمن في منطق النقص والقصور، فثلاثة مثلاً هي جواب ناقص عن سؤال اثنين زائد أثنين ، ولكنه بطبيعة الحال يبقى جوابا خاطئاً للمسألة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ومنطق النقص هذا ربما يقود  لنظرية التحدي والاستجابة لأرنولد توينبي ذات الجذور من علم النفس السلوكي ، والتي يمكن لحد ما تلخيصها في ” أنه على الباحث في تاريخ مجتمع من المجتمعات أو حضارة من الحضارات  أن يبحث في نقاط التحدي التي واجهت هذا المجتمع وكيفية الاستجابة لهذا التحدي لأن العلاقة بين التحدي والاستجابة هي التي تفسر تطور المجتمع من حالة لأخرى “، وبالتالي تفسر تطور تاريخه ، وقد قسم في تفاصيل النظرية أنواع التحديات التي قد تجابهها المجتمعات وأنواع الاستجابات المتاحة أمامها ، وعلى الرغم من القدرة التفسيرية العالية التي تتمتع بها النظرية تجاه الكثير من الأحداث التاريخية ، إلا أنها لا تقدم تفسيرا واضحا للاستجابات المختلفة لحضارتين أو بلدين تعرضا لنفس درجة التحدي ونوعه تقريبا ، بمعنى لماذا استجابت هذه الحضارة بصورة إيجابية لهذا التحدي ولم تفعل تلك ، ويمكن – لحد ما –  فلسفة ضرب مثال بتباين استجابة ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية واستجابة  بغداد بعد غزو المغول ونحوه.

وقد تكون محاولة الفرنسي جوستاف لوبون في النظرالي التاريخ مما يثير الاهتمام ، إذ حاول إضافة عامل فاعل جديد في حركة التاريخ ، وأستعار لوبون  مفردات علم النفس في تأسيسه لرؤيته ، فهو يرى أن لكل أمة مزاجا نفسيا  و فلسفة ثابتا ثبات صفاتها التشريحية ،وأكثر سنن التاريخ شمولا وثباتا هو ما يصدر عن هذا المزاج ، ويقول أن العناصر المكونة لأي حضارة من فنون ونظم ومعتقدات هي مظاهر مباشرة لما أسماه روح العروق لذا لا يمكن نقل هذه المظاهر من مجتمع لآخر ، وتجدر الإشارة أن ما يقصده لوبون هنا بالعرق هو أقرب للثقافة المكتسبة من البيئة، وإن أوحت الكلمة إلى أصل الأجناس والاستعدادات الفطرية للأفراد ، فلوبون ربما حاول سد فراغ في النظر للتاريخ وسنته لكن يؤخذ عليه عدم اتزانه في المنهج و البناء الاستدلالي الذي تشوبه بعض المغالطات. ومع ذلك فالفكرة لذاتها معقولة وتتيح زاوية جديدة للنظر، وتبقى فقط بحاجة لمزيد من النقد والتطوير.
وقد نتفق جميعا أن المستقبل ما زال مفتوحا لكل الاحتمالات ولكنني أضيف أن الماضي كذلك ما زال مفتوحا أمام نظرتنا له المتسعة باتساع المعرفة الإنسانية.

المقال منقول من هذا الرابط

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.

ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.