نحو تبسيط الخطاب الفلسفي
لماذا ظلت الفلسفة حبيسة الجامعة؟
سؤال طُرح في مؤتمر دولي لقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، وهو موضوع حديث قديم، واجهه ابن سينا نفسه عندما تعرض لكتاب أرسطو “ما بعد الطبيعة”، فقرأه أربعين مرة ليفهمه حتى حفظه عن ظهر قلب، لكنه مع ذلك استعصى على فهمه –برغم ذكائه ورسوخ قدمه الفلسفي – إلا بعد أن اطلع على كتابٍ للفارابي “أغراض ما بعد الطبيعة” ففُتح له الفهم.
وكذلك ابن رشد، وجد صعوبة في عبارة أرسطو، فقرر أن يشرح فلسفته بطلب من أحد ولاة قرطبة آنذاك، فلقب ابن رشد بـ”بالشارح”، أي شارح أرسطو، وعرض كانط المسودة الأولى لكتابه “نقد العقل الخالص” على صديقه “هيرز”، فأعادها الأخير إليه متذرعا بخشيته من الجنون لو أكمل قراءة الكتاب كله، نظرا لصعوبته!!
وهذا “هيدجر” الفيلسوف الوجودي المشهور يعترف الكثير من الأكاديميين _ومنهم “عبد الغفار مكاوي” نفسه الذي ترجم له كثيرا من أعماله_ بصعوبة فلسفته، وغموض عباراته، فيقول في تقدمة لكتاب “نداء الحقيقة” :«وهيدجر مُتّهم بأن لغته عصية على الفهم، وأن أسلوبه غير مألوف حتى لأبناء لغته، حتى أصبحت بعض تعبيراته مثار التندر والسخرية، ولن أحاول أن أعتذر عن الرجل، فلغته عسيرة ومعقدة حقًا، وهو نفسه يعترف بغرابة لغته!!».
أهم الأسباب التي جعلت الفلسفة حبيسة المحراب الجامعي
ليس كل ما سبق إلا نماذج قليلة لغموض الخطاب الفلسفي الذي بسببه تتهم الفلسفة قديما وحديثا بأنها كلام غير مفهوم، وتقع في حرج شديد بسبب هذه التهمة. ولا أرى لهذه التهمة خلفية في الواقع إلا بسبب رجال الفلسفة أنفسهم، أما الفلسفة نفسها فمن ضمن ما تعنى به هو التفسير، تفسير الوجود والإنسان والعالم وما وراء الطبيعة، أما رجل الفلسفة فيأتي ليوضح هذه المعاني فيزيدها غموضا على غموضها.
ولعل ذلك راجع أيضا لاعتقاد خاطئ هو أن الغموض يرادف العمق والقوة، والبساطة ترادف الضحالة والضعف، والحقيقة غير ذلك، فإن الغموض يرادف اللبس والتشويش، والوضوح يرادف الاستقامة والاعتدال.
إن الوضوح: هو التعبير عن الفكرة بطريقة تسمح للمتلقي باستيعاب ما الغرض من القول، فالوضوح يسهم في تقليل سوء الفهم، والوضوح ضد الغموض، الغموض الذي في أحسن الأحوال يضع المتلقي في حيرة واضطراب،
يقول “روبرت هينلين”: «الغموض ملاذ العاجزين»، وأكثر المجالات التي في حاجة إلى درجة أبعد من الغموض وأقرب إلى الوضوح هي الفلسفة، ولا أعلم كيف لنا بجعل أكثر المجالات حاجة إلى الوضوح والبساطة أبعدها عنهما وأقربها للغموض والتعقيد!!
وفي رأينا أن من أهم الأسباب التي جعلت الفلسفة حبيسة المحراب الجامعي هو ذاك الغموض المتلبس في لغتها، بالإضافة إلى نخبوية خطابها المتعالي، الأمر الذي أحدث فجوة كبيرة وهوة واسعة بين الفلسفة والناس، فأضحت الفلسفة في الوعي الجماهيري عَلَمًا على كل كلام يصعب الفهم، وأضحى الفيلسوف هو ذاك المتفيهق الذي يصك الآذان بكلمات ومصطلحات تأبى على فهم الرجل البسيط.
لماذا لا يقوم المتخصصون بتبسيط الخطاب الفلسفي؟
كانت الفلسفة في البيئة اليونانية في بداية أمرها نشاطا عاما، يزاوله العامي فضلا عن المتخصص، لا تقتصر على فئة بعينها. فكان “سقراط” يترجل على قدميه ليسأل الرائح والغادي في طريقه عن معاني الفضيلة والقيم، ويتناقش معهم في الأفكار والمعاني الفلسفية، فكان مجتمعا فلسفيا بامتياز، وذلك بفضل بساطة الخطاب الفلسفي الذي كان آنذاك. ولعل ذلك ما دفع البعض الآن إلى أن يرفع شعار “الفلسفة للجميع” إغراء للمجتمع في دعوته للتفلسف.
إن كساد الشيء وعدم رواجه مرتبط ارتباطا قويا بغموضه وتعقيده، فكلما كان الشيء سهلا يسيرا كان رائجا شائعا ومتداولا. إننا نرى المعنيون بـ “الخطاب الديني” يسعون لتجديد خطاباتهم لتتوافق مع ضرورة الإنسان وحاجاته وفطرته السليمة فيتسنى قبوله والرغبة فيه،
فلماذا لا نعنى نحن المتخصصون في الفلسفة بـ”تبسيط الخطاب الفلسفي” وبإيضاح ما غمض فيه، وفك ما لبس منها، فيتسنى للناس أيضا قبولها والرغبة فيها؟ فتخرج الفلسفة في ثوب مألوف للناس والمجتمع!
يظل الانطباع السلبي المسبق على خلفية الأفكار المسبقة عند الكثير من العامة والمثقفين البسطاء بأن للفلسفة سمعة سيئة بهذا الشكل، وأنها عمل لا يزاوله إلا حفنة من أولئك المتحذلقون. وبناء عليه ينظر إلى من يزاول النشاط الفلسفي بالدعابة والتندر، ومع ذلك يندهش المرء عندما يعرف أن التفلسف نشاط بشري عام، يزاوله كل إنسان بوعي أو بدون وعي، على مستويات متفاوتة.
ولا حل لهذه المشكلة إلا في أن نحاول أن نزيد من بسط الخطاب الفلسفي، كي تصبح الفلسفة نشاطا بشريا عاما بدلا _كما يجب أن تكون فعلا_ من أن تكون خطابا نخبويا. وتبسيط الخطاب لا يكون في الأسلوب فقط، إنما في الأسلوب والمحتوى أيضا،
فلقد ألّف الكِندي رسالة سماها “في التحايل على الأحزان”، جمع فيها الأسباب التي يمكن للإنسان الحزين أن تأخذ بأزره وتواسيه فتكون سلوانًا له للخروج من وعكات الحزن والاكتئاب، الأمر الذي يفسر كيف أن الفلسفة قادرة على أن تجابه مشكلات الإنسان والمجتمع بشكل بسيط، لتكون له عزاء في هذا الواقع المضطرب والبائس.
المقصود هو التفاعل الفلسفي الفعلي
إنني من جانبي أرى أن “فعل التفلسف” أولى من دراسة “الفلسفة”، وإذا كنا ننشد الفكر النقدي والإبداعي وننحت له طريقا في نفوسنا وأذهاننا وثقافتنا، فأول ما يمكن أن نبدأ به هو أن نجعل الفلسفة ثقافة لا علما، فالفلسفة تساوي النقد، ولا فلسفة بدون نقد، ولا نقد بدون فلسفة، والفلسفة عندما تصبح نشاطا ثقافيا يمكن أن ننشئ جيلا واعيا، قادرا على التفلسف والنقد، ومن ثم الإبداع، بدلا من أسلوب التلقين.
أليس من الغريب أن نرى الفلسفة التي تهدف في الأساس إلى تفعيل الفكر والوعي والحس النقدي تتحول إلى الحفظ والتلقين و”هذا ما وجدنا عليه آباءنا”؟!
إن المقصود هو التفاعل الفلسفي الفعلي والإيجابي في المجتمع، وليس فقط تبادل العلم والنشر والأبحاث داخل الجامعات والحوزات العلمية في شكل خطاب جديد وبسيط، فالخطاب بنية فكرية كامنة في وسائل التعبير، سواء كانت كتابا أو بحثا أو مقالا أو حوارا، وهذه كلها وسائل للتواصل المجتمعي في الجامعة وفي الشارع.
لكن نريد من الفلسفة أن تسعى لتفعيل الفكر النقدي في وجدان الناس، وإثارة قضايا المجتمع والمشكلات لمساهمة المجتمع كله في نشر الوعي وخلق ثقافة النقد، والنقد الذاتي، الاختلاف وتقبل الآخر، والفلسفة ليست قادرة على كل ذلك إلا إذا أضحت خطابا مفهوما، واضحا ومستقيما.
اقرأ أيضاً:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.