مقالات

ولو تأملنا مواقف الحياة

ليست السعادة في كمال الأشياء، لأن الكمال في الدنيا وهمٌ يطارده الإنسان ولا يدركه، وإنما السعادة الحقيقية تكمن في الرضا بوجود الأشياء كما هي، بحدودها ونقصها وتقلباتها. فالحياة بطبيعتها لا تسير وفق صورة مثالية مرسومة في أذهاننا، بل هي مزيج من العطاء والنقص، من الفرح والحزن، ومن النجاح والتعثر.

غير أن الإنسان الذي يتعلم فنّ الرضا يكتشف سرًا عظيمًا: أن السعادة ليست في امتلاك كل شيء، بل في القدرة على تقدير ما نملك بالفعل. ولذلك كان القرآن الكريم يوجه القلوب إلى هذا المعنى العميق حين قال الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾ (البقرة)، فهذه الآية لا تخاطب العقل فقط، بل تعالج شغف الإنسان بالكمال الذي لا يتحقق في الدنيا.

ولو تأملنا مواقف الحياة لوجدنا أن كثيرًا من تعاسة البشر لا ترجع إلى نقص ما لديهم، بل إلى تركيزهم على ما ينقصهم. فكم من إنسان يمتلك بيتًا يؤويه وأسرة تحبه وصحة تعينه، ومع ذلك يعيش في ضيق دائم لأنه يقارن نفسه بغيره. وفي المقابل قد ترى شخصًا بسيطًا يعمل عملًا متواضعًا، لكنه يعيش مرتاح القلب لأنه يتعامل مع ما لديه باعتباره نعمة تستحق الشكر.

لعلنا جميعًا نعرف ذلك المشهد المتكرر في الحياة: شاب يتذمر لأنه لم يحصل على الوظيفة التي كان يحلم بها، في حين هناك من يبحث عن أي فرصة عمل ولا يجد. هنا يتضح أن الفرق بين السعادة والتعاسة ليس دائمًا في حجم ما نملك، بل في طريقة نظرنا إليه.

إن الرضا ليس استسلامًا للواقع كما يظن بعضهم، بل توازن نفسي وروحي يمنح الإنسان القدرة على العمل دون أن يستهلكه القلق. فالإنسان الراضي يسعى ويجتهد ويطمح، لكنه في الوقت نفسه لا يجعل سعادته مرهونة بتحقق كل ما يريد.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

لهذا قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)﴾ (الحديد). وهذه الآية ترسم معادلة نفسية دقيقة: لا حزن مفرط على ما فات، ولا غرور بما تحقق، بل اعتدال يحرر القلب من تقلبات الحياة.

وفي السنة النبوية تأكيد واضح لهذا المعنى، فقد قال النبي ﷺ: «ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس» (رواه الترمذي). إن هذا الحديث يختصر فلسفة عميقة للحياة، فالغنى الحقيقي ليس في كثرة المال أو الممتلكات، بل في شعور القلب بالاكتفاء.

لذلك كان بعض الناس يملكون قليلًا لكنهم يعيشون بطمأنينة، في حين يملك آخرون كثيرًا ومع ذلك يعيشون في قلق دائم خوفًا من الفقد أو رغبة في مزيد.

وتأمل موقفًا بسيطًا يتكرر في حياتنا اليومية: أب يعود إلى بيته بعد يوم عمل طويل، فيجد أبناءه يلتفون حوله بفرح. قد لا يكون هذا الأب قد حقق كل أحلامه المادية، وربما يشعر أحيانًا بأن الحياة أثقلت كاهله بالمسؤوليات، لكن تلك اللحظة الصغيرة من الدفء العائلي تمنحه شعورًا عميقًا بالرضا.

في المقابل قد يعيش إنسان آخر في رفاهية كبيرة، لكنه يشعر بالوحدة لأن قلبه لم يتعلم تقدير النعم الصغيرة. الفرق هنا ليس في الظروف، بل في زاوية النظر.

الأمر نفسه يظهر في لحظات المرض والصحة. فكثير من الناس لا يدرك قيمة الصحة إلا حين يفقد جزءًا منها. حينها فقط يتمنى لو عاد به الزمن ليعيش أيامه العادية التي كان يظنها مملة. لذلك كان من دعاء النبي ﷺ: «اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء»، لأن الرضا هو الدرع النفسي الذي يحفظ الإنسان من الانهيار أمام تقلبات الحياة.

إن الرضا لا يعني أن يتوقف الإنسان عن الطموح بل يعني أن يكون الطموح مصحوبًا بطمأنينة. فالإنسان الحكيم يعمل ويجتهد ويخطط، لكنه في النهاية يسلم النتائج لله، مدركًا أن ما كتبه الله له سيأتيه في الوقت الذي يريده الله لا في الوقت الذي يتصوره هو. ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ﴾ (الطلاق: 3). فالتوكل والرضا وجهان لحقيقة واحدة: الثقة بأن تدبير الله أرحم من تدبير الإنسان لنفسه.

ولو أردنا تلخيص حكمة الحياة في جملة واحدة لقلنا إن السعادة ليست في أن تصبح الحياة كاملة، بل في أن يصبح القلب ممتنًا. فحين يتعلم الإنسان أن يشكر الله على ما لديه، تتحول الأشياء الصغيرة إلى مصادر فرح كبيرة، كوب شاي في صباح هادئ، كلمة طيبة من صديق، دعاء صادق من أم، أو لحظة صفاء بعد صلاة. هذه التفاصيل البسيطة هي التي تصنع حياة هادئة، لكنها لا ترى إلا بعيون الرضا.

وهكذا يتبين أن السعادة ليست مشروعًا مؤجلًا حتى تكتمل الظروف، بل قرار داخلي يبدأ حين يدرك الإنسان أن النقص جزء من طبيعة الدنيا، وأن الكمال الحقيقي ليس في امتلاك كل شيء، بل في الاطمئنان إلى حكمة الله فيما أعطى وما منع. وحين يصل الإنسان إلى هذه القناعة يصبح قلبه أكثر هدوءًا، وتصبح حياته أكثر اتزانًا، كأنه اكتشف سرًا بسيطًا لكنه عظيم: أن السعادة الحقيقية تبدأ من لحظة يقول فيها القلب بصدق: الحمد لله على ما كان، والحمد لله على ما هو كائن، والحمد لله على ما سيكون.

مقالات ذات صلة:

الرضا عن الحياة (مفتاح للسعادة الشخصية)

من أسرار السعادة

لماذا عليك أن تقاتل في هذه الحياة؟

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

ا.د. هشام الخولي

أستاذ القياس والتقويم النفس التربوي كلية التربية – جامعة السويس رئيس قسم علم النفس التربوي