مقام المناجاة

إِلَهِي يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا ذَا الْمَنِّ وَالْإِنْعَامِ، يَا ذَا الْجَمَالِ وَالْكَمَالِ، يَا ذَا الْعَفْوِ وَالْمِثَالِ، يَا ذَا الْحَوْلِ وَالطَّوْلِ، وَالْفِعْلِ وَالْقَوْلِ، لَا تَتْرُكْنِي وَحْدِي فِي غَيَاهِبِ مَعْصِيَتِي، وَمَجَاهِلِ مُصِيْبَتِي، وَقَيْظِ ذُنُوْبِي، وَحَرُوْرِ كُرُوْبِي، وَمَرَاجِلِ خَطِيْئَتِي، وَمَنَاجِلِ صَغَائِرِي، وَخَلِيْطِ وَسَاوِسِي، وَكُدُوْرَةِ هَلَاوِسِي!
إِلَهِي، لَا تَتْرُكْنِي، وَلَا زَادَ يُنْقِذُنِي، أَوْ مَاءَ يَرْوِيْنِي، أَوْ صُوًى تَهْدِيْنِي، أَوْ مِيْرَةً تَكْفِيْنِي، لَا تَدَعْنِي وَلَا عَلَامَةً أَتَّبِعُهَا، أَوْ شَارَةً أَهْتَبِلُهَا، أَوْ عَصًا أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا، أَوْ كَتِفًا أَمِيْلُ إِلَيْهَا.
إلهي أنت تعلم
إِلَهِي، هَلْ أَنْتَ حَقًّا تَارِكِي أَتَلَظَّى فِي الرَّمْدَاءِ، وَأَتُوْهُ فِي الْبَيْدَاءِ، وَأَتَلَوَّى فِي الصَّحْرَاءِ، وَأَكْتَوِي فِي الْعَنَاءِ، وَأَتَهَادَى فِي الْفَنَاءِ، وَأَتَهَاوَى فِي الْخُيَلَاءِ، وَأَتَخَضَّبُ بِالْجَفَاءِ، وَأَتَمَايَلُ فِي الْأَهْوَاءِ، وَأُقَاسِي الرُّحَضَاءَ، وَأَتَخَايَلُ بِالْأَعْدَاءِ، وَأَتَنَفَّسُ مَعَ الْوَعْثَاءِ،
وَأُفَتِّشُ عَنِ الصَّفَاءِ، وَأَنْتَظِرُ السَّنَاءَ، وَأَرْتَقِبُ الشَّمَّاءَ، وَأَفْتَقِدُ الْأَصْدِقَاءَ، وَأَعِيْشُ مَعَ الرَّعْنَاءِ، وَأَتَنَفَّسُ مَعَ الْأَشْقِيَاءِ، وَأُرَاوِحُ الْأَلِدَّاءَ، وَأُنَادِمُ الدَّاءَ، وَأَبْحَثُ عَنِ الدَّوَاءِ؟!!
إِلَهِي، لَا تَتْرُكْنِي مَعَ هَذِهِ الْبَلْهَاءِ الَّتِي شَرْنَقَتْنِي مِنْ كُلِّ اتِّجَاهِ، وَحَاصَرَتْنِي مِنْ كُلِّ مَهِيْعٍ، وَأَمْسَكَتْ بِتَلَابِيْبِي، وَأَخَذَتْ بِمَخَانِقِي، وَلَيْتَهَا تَرَكَتْنِي وَشَأْنِي، فَلَرُبَّمَا كُنْتُ مُسْتَطِيْعًا أَنْ أُجَابِهَ هَذَا الْمَلْعُوْنَ، وَأَتَعَامَلَ مَعَ هَذَا الْمَأْفُوْنِ، فَلَوْ كَانَ سَهْمًا وَاحِدًا لَاتَّقِيْتُهُ، لَكِنَّهُ سَهْمٌ وَسَهْمٌ وَأَسْهُمٌ.
إلهي لا تتركني وحيدا
قَدْ أَطْبَقَتْ عَلَيَّ، وَتَوَافَقَتْ مَعَهُ إِلَيَّ، وَتنَادَتْ فِي إِهْلَاكِي، وَالنَّيْلِ مِنِّي، وَإغْرَاقِي، وَأَنَا، أَنَا غِرٌّ ضَعِيْفٌ، وَغُصْنٌ رَفِيْفٌ، وَرَجُلٌ أَسِيْفٌ، لَيْسَ لِي مِنْ قُدْرَةٍ عَلَى الْمُقَاوَمَةِ، أَوْ مِنْ سَبِيْلٍ عَلَى الْمُجَابَهَةِ، أَوْ قُوَّةٍ عَلَى الْمُوَاجَهَةِ، فَقَدْ أُنْهِكَتْ قُوَايَ، وَتَاهَتْ صُوَايَ، وَضَعُفَتْ رُوْحِي،
وَتَمَلْمَلَ بَوْحِي، وَتَهَشَّمَتْ عِظَامِي، وَانْتَثَرَتْ مَرَاِمي، وَتَكَدَّرَتْ مُدَامِي، وَزَادَ إِيْلَامِي، وَظَهَر كِلَامِي، وَانْتَشَرَ مَلَامِي، وَتَوَاتَرَ خِصَامِي، وَكَلَّ مَتْنِي، وَانْحَنَى ظَهْرِي، وَانْكَشَفَتْ سَوْأَتِي، وَاسْتَبَانَتْ عَوْرَتِي، وَتَلَأْلَأَتْ خَدِيْعَتِي، وَتَبَدَّتْ مَآَثِمِي، وَظَهَرَتْ مَيَاسِمِي، وَحَانَ حَيْنِي، وَآَنَ بَيْنِي.
إِلَهِي، لَا تَتْرُكْنِي وَحْدِي فِي عَالَمٍ قَدْ تَطَايَرَ شَرَرُهُ، وَتَوَالَى ضَرَرُهُ، وَتَرَاءَتْ أَحْزَانُهُ، وَتَخَايَلَتْ أَشْجَانُهُ، عَالَمٌ قَدْ تَشَرْذَمَتْ قِيَمُهُ، وَتَشَظَّتْ أَعْرَافُهُ، وَتَشَيَّأَتْ مَقَاصِدُهُ، وَبِيْعَتْ أَخْلَاقُهُ، وَتَهَاوَتْ أَرْكَانُهُ، وَتَبَايَنَتْ مَصَائِبُهُ، وَتَرَاقَصَتْ مَثَالِبُهُ، وَتَكَاثَرَتْ مَكَائِدُهُ، وَتَنَوَّعَتْ مَسَاوِئُهُ، وَتَكَدَّرَ رِيْقُهُ، وَكَثُرَ غَرِيْقُهُ، وَافْتُضِحَ عُهْرُهُ، وَظَهَرَ أَمْرُهُ، وَغَابَ النَّدِيْمُ وَالرَّفِيْقُ، وَخَانَ فِيْهِ الصَّاحِبُ وَالصَّدِيْقُ.
إلهي رجعت بذل افتقاري
إِلَهِي، لَا تَتْرُكْنِي، فَأَنَا لَا أَكَادَ أَسْتَيْقِظُ مِنْ وَهْدَةٍ، إِلَّا سَقَطْتُ فِي أُخْرَى، وَلَا أَتَفَادَى عَثْرَةً إِلَّا وَقَعْتُ فِي ثَانِيَةٍ، وَلَا أَقُوْمُ مِنْ حُفْرَةٍ إِلَّا انْقَلَبْتُ فِيْهَا، إِلَهِي، لَقَدْ تَعِبْتُ، وَنَصِبْتُ، وَكَلِلْتُ، وَمَلِلْتُ، فَخَلِّصْنِي مِنْ هَذِي الْبَلْهَاءِ، فَقَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى رُوْحِي، وَجَثَمَتْ عَلَى صَدْرِي، حَتَّى غَدَتْ مَصْدَرَ أَلَمٍ، وَآَيَةَ سَقَمٍ، وَعَلَامَةَ نَدَمٍ، وَشَارَةَ حَزَنٍ، وَأَسَاسَ كُلِّ شَجَنٍ.
إِلَهِي خَلِّصْنِي مِنْهَا فَمَا عُدْتُ أَسْتَطِيْعُ الْعَيْشَ مَعَهَا؛ فَقَدْ ضَاقَتْ بِيَ السُّبُلُ، وَتَفَرَّقَتْ بِيَ الطُّرُقُ، وَهِيَ لَا تَكُفُّ لَيْلَ نَهَارٍ عَنِ الْوَسْوَسَةِ، أَوِ الزَّجِّ بِي فِي أَتُوْنٍ لَا يَنْتَهِي مِنَ الْغِوَايَةِ، بَلْ إِنَّهَا كُلَّمَا رَأَتْنِي وَقَدِ ابْتَعَدْتُ عَنِ الْمَعَاصِي،
وَتَنَكَّبْتُ الطَّرِيْقَ إِلَى الذُّنُوْبِ، كَانَتْ لِي بِالْمِرْصَادِ، تَزْرَعُ أَشْوَاكَهَا، وَتَنْثُرُ هَلُوْكَهَا، وَتَنْشُرُ سَمُوْمَهَا، وَتُذِيْعُ هُمُوْمَهَا، وَتُمْطِرُ يَحْمُوْمَهَا، وَتُطْعِمُ حَنْظَلَهَا، وَتُذِيْقُ مَرَارَتَهَا، وَتُظْهِرُ حَرَارَتَهَا، حَتَّى عَمَّ تَرَحُهَا، وَاخْتَفَى فَرَحُهَا!
إلهي واسع الكرم
إِلَهِي، كَمْ هِيَ عَجُوْزٌ شَمْطَاءُ، تَتَخَايَلُ فِي زِيِّ كَاعِبٍ حَسْنَاءِ، فَسُحْقًا لَهِذَا الْجَمَالِ الزَّائِفِ، وَذَلِكُمُ الظِّلِّ الْكَاذِبِ الْوَارِفِ!! إِلَهِي، فَلَا تَكِلْنِي إِلَيْهَا، وَأَنْقِذْنِي مِنْ شَرْنَقَتِهَا، وَمِنْ مَتَاهَاتِ أُخْطُبُوْطِهَا، فَمَا عُدْتُ وَحْدِي بُمَسْتَطِيْعٍ، وَأَنَّى لِي ذَلِكَ؟!
وَهِيَ بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالْأُخْرَى تُغْوِيْنِي بِمَا شَاءَتْ مِنْ صُنُوْفِ الْمَلَذَّاتِ، وَتَتَرَاقَصُ أَمَامِي بِأَنْوَاعِ الشَّهَوَاتِ، وَأَجْنَاسِ الشُّبُهَاتِ، ثُمَّ لَا تَأْلُوْ جَهْدًا أَنْ تَفْعَلَ مَا فِي وُسْعِهَا، وَتَبْسُطَ لِي بَاعَهَا، وَتَحُطَّ لِي فِي مَرَابِعِهَا، فَتَفْرِشَ لِيَ الْأَرْضَ وُرُوْدَا، وَتَجْعَلَ فِي كُلِّ لَهْوٍ وَلُوْدَا، وَهِي تَعْرِفُ ضَعْفِي وَخُوَائِي، وَنَهَمِي وَقِلَّةَ رُوَائِي.
إِلَهِي، لَلْمَوْتُ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مُصَاحَبَتِهَا، وَلَلْهَلَاكُ دُوْنَ مُرَافَقَتِهَا، فَفِي قُرْبِهَا الشَّقَاءُ، وَعِنْدَ وِصَالِهَا الْوَعْثَاءُ، وَبَيْنَ يَدَيْهَا الَّلأْوَاءُ، وَفِي ريِّهَا الصَّدَى وَالْفَنَاءُ، وَعِنْدَ مُعَانَقَتِهَا الْمَوْتُ وَالْعَنَاءُ، فَهَلْ مِنْ سَبِيْلٍ لِمُفَارَقَتِهَا؟ وَهَلْ مِنْ غِرَّةٍ لِمُبَاعَدَتِهَا؟
بَعْدَ أَنْ أَقْدَمَتْ عَلَيَّ بِكُلِّ رِيْحِ السَّمُوْمِ، وَأَثْقَلَتْنِي بِالْمَتَاعِبِ وَالْهُمُوْمِ، وَتَدَاعَتْ عَلَيَّ بِالْآَلَامِ وَالرُّجُوْمِ، وَتَنَاثَرَتْ بِكُلِّ أَنْوَاعِ الْجِرَاحِ وَالْكُلُوْمِ، وَمِنْ ثَمَّ فَلَمْ يَعُدْ لِي إِلَّا أَنْتَ، وَأَنْتَ وَحْدَكَ الْحَيُّ الْقَيُّوْمُ، الَّذِي لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمُ!
اقرأ أيضاً:
الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ فِي مَدْحِ النَّبِيِّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
*********
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا