إصداراتمقالات

مفاجأة الجني

حينما خرج الجنّي من مصباحه بعد أن فركه سعيد الحظ الذي عثر عليه. أخبره المارد بأنّ له أمنية واحدة فقط لا غير. فكر الإنسي وأمعن التفكير وأخبره بأنه يود العيش في أرض الحكمة والحكماء، حيث لا مظلوم فيها ولا محروم ولا جائع ولا خائف، ليس هناك صراع ولا أحقاد، أرض الأمان والسلامة والاطمئنان والراحة والسلام …

قاطعه الجنّي بكل جفاء: تقصد يوتوبيا أرض الفلاسفة والحكماء، المدينة الفاضلة مدينة العقلاء.

صدم الإنسي: إنها حقيقة لا ريب وليست بخيال…

قاطعه الجنّي باستياء: بل حلم لم يتحقق وصعب المنال، إنها حلم الفلاسفة والحكماء عبر العصور؛ حلم في حقيقته يعكس ما عاشوه من أزمات ومشكلات. يوتوبيا معناها (لا – مكان) ومن أطلق عليها بذلك يدرك أنها غير ممكنه على الأرض، فيوتوبيا يسكنها الملائكة الكرام.

اكتسى صوت الإنسي بشيء من المرارة: إذًن إنها أضغاث أحلام وجنون وخيالات فلاسفة جهال، إنها أماني الضعفاء ودعوات المساكين وأحلام المحرومين وتطلعات الفقراء المعدومين.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

رد الجنّي: احتارت العقول من أين البداية؟ من الفرد أم من السلطة .. من الأخلاق أم من القوة .. من التربية أم من القانون فكانت محاولات إقامتها لم تكن إلا إرهاصات، وما تحتويه من تصورات كان مناقضا لفطرة الإنسان. إنها نتاج أحادي التصور والفكر .. إنها بحق صعبة المنال، فمدينة بهذا المعنى لا يمكن إن تكون إلا بجنة الرحمن.

قال الإنسي بحسرة: مكثت أبحث عنها سنوات طوال فيا له من واقع أليم.

اشار الجنّي مسرعًا: اطلب ما شئت فأنا على عجلة من أمري فلدي موعد مع الحرية عقب السجن لسنوات طوال.

سال الإنسي: وما السبيل لإنشاء يوتوبيا دون أخطاء أو مشكلات.

ابتسم الجنّي بخبث: فلقد سألت ما لا تطيق واذكرك بقول لقمان الحكيم “من حمل ما لا يطيق عجز”.

رد الإنسي: يكفني شرف المحاولة .. فإنها حقا تستحق التجريب.

سكت الجنّي لبرهة وقال:

بادر بإصلاح نفسك والارتقاء بها، فالتغيير يبدأ بإصلاح النفوس واسترداد العقول من مستعمر أو محتل، ونقّها من آثام التفكير المشوه، فسلامة العقل هي أساس التغيير.

وتحلَّ بالأخلاق الحميدة و اسعَ نحو الكمال والإتقان في كل شيء. وقبل كل شيء كن غواصًا في أعماق الأشياء باحثاُ عن الحق واليقين .. بذلك تكون قد حققت الإنسان المثالي.

ثم عليك بالأسرة، فإنها اللبنة الأولى لتأسيس الأفراد الصالحين، الجديرين بحمل أعباء الرسالة وتكاليف الحياة على هدى واستقامة، على طريق الخير والفضيلة. فالفرد والأسرة كلاهما نتاج الآخر. فاسعَ لإعداد أسرة تكون محضنًا تربويًا وكيانًا فعالا في المجتمع.

وأخيرًا المجتمع والذي هو مجموعة من الأفراد، فبناء مجتمع سليم نتاج بناء أفراد مثاليين، القيم السلوكية في نفوسهم موصولة بالإقناع العقلي. بأسلوب الإقناع العقلي بالحوار المنطقي وإظهار الجوانب الخاطئة في التفكير وإظهار هؤلاء الأفراد المثالية كمثل عليا عندئذ تقوم صحوة تدريجية تعم المجتمع برغبته للوصول للمجتمع المثالي حيث سيتواجد “اللامكان” بقلب المكان الحقيقي.

تذكر: ابدأ بنفسك وكن فاضلا واستقم على خلق رفيع. كن صاحب شيم وممثّل القيم. بلغ دعوتك، واسعَ لتحقيق حلم البشر، فالسعي لتحقيق حلم هو سر الحياة.

.

محمد بسطاوى

مهندس زراعى

باحث بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالقاهرة