معضلة الوحيد
عزيزي “وحيد”، تحية طيبة وبعد،
أحاول أن أكون من القلة التي تهتم بك! فهل يمكنك مساعدتي في ذلك؟! أنت متميز مختلف، ولكن بماذا أناديك أيها الوحيد الفريد؟ هل أنت الخرتيت؟ هل أنت الكركدن؟ (الرَينو)؟ الحَرِيش؟ الهِرْمِيس؟ أم أنك “الوحيد” وحيد القرن؟
إذ لم يلحظك أحد أو لم يذكرك أحد! فلعله اجتهد كي يتذكر اسمك فتصارعت أسماؤك المختلفة في ذهنه، وتسارعت حيوانات أخرى إلى مخيلته، أنت ضخم بشكل هائل، لكن هذا التميز يتضاءل عند استحضار صورة الفيل كملك للضخامة،
سرعتك المذهلة مع حجمك الكبير تتباطأ مع تذكر الفهد الصياد، تفردك وتميزك مهدد بالانقراض مثلك! في وجود حيوانات أخرى تخطف الأضواء وتستأثر بالاهتمام، حتى شبهك بفرس النهر أضرك، لماذا تشبه أو تتشبه بالسيد؟ السيد قشطة! عزيزي “وحيد”، أنت السيد!
عزيزي “وحيد”، قد تُفهم الوحدة خجلًا أو انطواءً أو تعاليًا أو ترفعًا أو…، ونادرًا ما تُفهم أنها بسبب قرونك الوحيدة!
لماذا ننساك؟
عزيزي الوحيد، أنت ضعيف البصر فلا تكن ضعيف البصيرة، ولا تنقرض قبل انقراضك! فكر مرة أخرى في تأثير الشهرة من حولك، أو تأثير على الهامش!
قد لا تُعرف جهلًا أو غباءً، وقد لا يُعترف بك حقدًا أو حسدًا! أما الأخطر أن تتلاشى في الغابة في النسيان، المنسي في الغابة غير موجود! لن يطلب أحد متابعتك، مشاهدتك، شراءك، التعرف عليك، فأنت غير موجود في اختياراتهم! يتبادر إلى أذهانهم حيوانات أخرى غيرك أيها الوحيد، حضورك أقرب للغياب!
أنت الأضخم في كل الغابات، ولكن بعد الأفيال! أنت العملاق الثاني المنسي الوحيد، لماذا ننساك؟!
لست الأول أو الأشهر أو الأسهل للتذكر من بين طوفان من الأمثلة الحديثة أو القريبة أو المتكررة أو حتى الفجة بالغة السخافة، النسيان انقراض قبل الانقراض، لا يفرق بين أبيضك وأسودك، وشفاهك وشكلها المختلف، ونظراتك إلى أعشاب الأرض أو الأشجار، إنها قصة مخيفة!
أن تمتلك العديد من المميزات ولكن لا أحد يتذكرها، لا أحد يتذكرك، لا أحد يتذكر ولا أحد يهتم! إذا نسوك فلن يتم مقارنتك بأي شيء!
يقول الانتشار:
لا أميزه بين الندرة أو الوفرة، فتنقرض في الإعدادات! وتسقط عند التثمين من حسابات الغالي والرخيص، فلا قيمة لما لا يُعرف وجوده، حتى المهتم بك المترقب لخطواتك إذا كان نادرًا منسيًا مثلك، ابتلعه انقراضك! وتبعك بعيدًا عن دائرة الضوء والحياة!
لا أحد يبحث إلا عما يتصور وجوده، ضوء صغير في ظلام الغابة قادر على جذب آلاف الفراشات، فإذا تحالف صمت الغابة مع ظلامها نجح النسيان في فرض شروطه!
وكما الندرة الشديدة قد تخبر عن عدم وجودك، كذلك الوفرة الشديدة التي تسحق تميزك، إن انتماءك لقطيع كبير دون تمييز بينك وبين نسخك المكررة حالة انقراض لتفردك، وأيضًا سقوط تميزك في حفر النسيان، ففي حالة الزحام الشديد تأتي الضوضاء الشديدة، ومع الضوضاء الشديدة يصعب تمييز الزئير من النباح!
عزيزي وحيد، دع الوحدة وميز نفسك بما يحارب النسيان، ميز نفسك بكامل قوتك، بشيء ظاهر متفرد، وفي نفس الوقت له صدى كبير عند متلقي هذا التمييز، ولا تزاحم الأسماء والصفات الكثيرة من الجزئيات التي تتفتت في التلقي فتؤدي صراعاتها وكثرتها إلى السقوط من الذاكرة بدلًا من إنعاشها نحوك، اهرب من التحيز في تذكر (الأول – الأكبر – الأضخم) فيتضاعف أكثر مما هو عليه ويصغر التالي في الذاكرة، فيسحقك صاحب الخرطوم!
دع الوحدة وميز نفسك
اثبت وجودك قبل أن تنقرض، اثبت وجودك كي لا تنقرض، حتى الديناصور المنقرض أكثر منك تأثيرًا في الذاكرة والاهتمام، قوتك لا تأتي من شبهك بغيرك، بل في أن يتشبه بك غيرك! إذا مت وحيدًا في الصحراء، ولم يعرف أحد بموتك وحيدًا في الصحراء، فإنك لم تمت في الصحراء! أو لم تتواجد أصلًا في الصحراء!
عزيزي وحيد، اصنع ضجة، إذا لم يتذكرك أحد فأنت غير موجود! راجع العلاقات من حولك مع كل حيوانات الغابة، احرص على تخصيص ميزانيتك الأولى للإعلان عن وجودك، في التذكير بوجودك وإثبات تفردك، ابحث عن نفسك، ورتب مميزاتك التي تصلح لاقتحام ذاكرة العالم! حتى لو كانت بكائية قربك من الانقراض، أو مرثية صيدك الجائر!
أثبت أن قرنك الوحيد هو القرن الفريد، ارفض كل صفقات القرن المشبوهة التي تستهدف صفات قرنك، ميز نفسك بحيث لا يمكن تجاوزك، لا أحد يخطئ في اسمك، لا أحد يتوه بين أسمائك المختلفة، يجب أن يتجاور تميزك مع الدعاية الكافية لهذا التميز.
معضلة الوحيد، أن يصبح منسيًا منزويًا وحيدًا مهددًا بالانقراض! دافع عن فرصتك الوحيدة أيها الوحيد!
#معضلة_الوحيد #أبوسفيان #الغابة_البرتقالية