وجد الطريق مزدحما فغير مسار الأتوبيس، هل كان قرارًا صائبا؟

معضلة الأتوبيس
فى ساعة متأخرة من ليالى رمضان احتشد الناس داخل الأتوبيس وتداخلت مصائرهم واتحدوا خلف السائق ومستشاره “الكومسرى” لتكون رحلة العودة للبيت, وفى نقطة معينة من الطريق نصبح أقرب للمنزل أكثر من غيرها فيتنسم الركاب نسيم الحرية والاستقرار, ولكن فجأة تحدث الكارثة, فهناك ذلك الكوبرى الذى يعبر بنا نهر النيل لينقلنا من محافظة القاهرة لمحافظة الجيزة, إنه كوبرى الجامعة الذى تصادف أن تكالبت عليه السيارات ليبدو أنه جراج مجانى.
عندما هدأ الأتوبيس وتوقف شعر الركاب بالقلق ونظروا يمينا ويسارا, أين الخلل؟ ما الذى جد؟ وهنا نزل المشهد كالصاعقة على الجميع “الكوبرى واقف” ثم ينظر كل منا إلى ساعته ويفكر, هذا الزحام سيأكل من برنامجى, سيؤثر هذا علىَّ كثيرا بالسلب.
يبدوا أن القلق قد تسرب إلى سائق الأتوبيس وشعر بالمسئولية وضرورة اتخاذ قرار مصيرى فى أقصى سرعة, ومن واقع تجاربه اليومية قرر أن ينعطف فى اللحظة الأخيرة ليسلك طريقا آخر يمر بحى المنيل ليقوده هذا القرار إلى كوبرى عباس حيث إنه هادئ نوعا ما ونادرا ما يكون الإقبال عليه فى هذه الساعة.
يبدوا أن قرار السائق قد لاقى قبول كثير من الركاب حيث تنفس البعض الصعداء وهتف البعض الآخر “جدع يا أسطى” “الله يفتح عليك” “يسترك يا خويا” ووسط صيحات الإعجاب والدعاء شعر السائق بالفخر لسرعة بديهته وقراره الصائب وامتلأ بالشجاعة بعد أن أيدت الجماهير قراره وتم حل معضلة الأتوبيس .
ووسط كل هذه الدراما يرتفع صوت ضعيف داخل الأتوبيس مبحوح داس عليه الزمان والمكان يقول “ليه كده يا أسطى, أنا كنت عاوز أنزل الجامعة” فينتشر الهدوء فى الأتوبيس ويرتبك السائق و”الكومسرى” ويلتفتون إلى مصدر الصوت محاولين أن يزنوه مفكرين فى الخطوه القادمة, وبعد الوزن النفسى يهتف الكومسرى “نائب السواق” “معلش يابنى زى ما انت شايف الطريق زحمة وكنا هنقعد كتير فى الطريق بس السواق خد الطريق ده علشان مصلحتك ومصلحة الناس”
لكن يبدو أن هذا الأسلوب لم يلقَ التصديق لدى المواطن المطحون فصرخ “ما ينفعنيش الكلام ده أنا معايا رزقى ورزق العيال وشايل قد كده مش هينفع أنزل واركب تانى, أنا معايا تمن التذكرة بالعافية” وظل يعدد المواطن المطحون شكواه وطفق ينظر الركاب إليه نظرة كراهية لأنه يعكر صفو حياتهم, فرد عليه الكومسرى “وانت مقولتش ليه من بدرى إنك نازل الجامعة؟” وانتشر الجدال البيزنطى وكثر الحديث، وفى النهاية انتصرت الأغلبية وانبرى المواطن المطحون على نفسه وسكت.
فى الحقيقة تلك الحادثة الصغيرة التى قد تتكرر كثيرا فى حياتنا اليومية تحتوى على الكثير من المبادئ الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من حيثية العدالة والظلم, الأتوبيس هو مجتمع فى النهاية له قائد وهو سائق الأتوبيس الذى عينته هيئة حكومية لأنه أعلم وأفهم, وله نائب يتواصل مع العامة والخاصة ويتولى الأمور المالية, والركاب هم الشعب وهم مسئولية السائق و”الكومسرى” وفى المجتمع لا فصل بين حق الفرد وحق الجماعة, والفرد له حقوق يجب احترامها كامتلاك مساحة داخل الأتوبيس بصك حكومى “التذكرة” وليس لأحد أن يتعدى عليه بدون إذن أو تراضٍ “ممكن أقعد مكانك لو سمحت علشان والدتى تعبانة؟”
الأتوبيس اتوبيس الشعب
كما أن الأولوية لحق الجماعة على الفرد وحرية الجماعة مقدمة على حرية الفرد لكن حتى يكون قرارًا مصيريًا كاتخاذ مسار آخر للأتوبيس يحتاج لعمل استفتاء عام يخضع له الجميع حتى تكون هناك فرصة لعرض الآراء ويشعر الجميع بالشفافية فى اتخاذ القرار والرضا بعد نتائج المشاورة والاستفتاء, فالسائق هو الذى كان يجب أن يعلن عن قرار خطير قد يصب قى مصلحة الأغلبية وليس المواطن المطحون هو الذى يجب أن يعلن عن مكان نزوله –كما قال الكومسرى- لأن خط سير الأتوبيس هو بمثابة عقد اجتماعى بين الركاب وهيئة النقل العام وممثلها “السواق والكومسرى”
وهذا العقد الاجتماعى يحتوى أيضا على سعر التذكرة ومواعيد العمل, كما أن الحاكم “السائق” له أن يتخذ قرارات ما دام يراها يقينية وتصب فى مصلحة المجتمع “الركاب” بدون الرجوع إليهم أو عرض الأمر على الاستفتاء العام كتسليم السارقين وتوقيفهم أو الوقوف فى مكان بشكل عشوائى من أجل مرأة أو طفل أو مسن يريد أن يتكامل ويلتحق بالأتوبيس.
كل شىء متصل فى النهاية والعقل يستطيع أن يصل لأحكام يضع بها ما ينبغى أن يكون من قضايا سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية, فقط الإنسان بحاجة إلى أن يفكر ويصل للحق وأن يتعلق به ويحبه ويسلك إلى عالمه الفوضوى ليحيله إلى مجتمع فاضل بالمعرفة والعدالة لكي لا نواجه مواقف مثل معضلة الأتوبيس كثيراً في حياتنا .
اقرأ ايضاً .. الأخلاق وتأثيرها على الفرد والمجتمع
اقرأ أيضاً .. قلق لا معنى له ولا مفر منه
اقرأ ايضاً .. التفكير فى الهجرة
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.