معجزة القرآن – الجزء الثاني
تناولنا في الجزء الأول من هذا المقال بعض أوجه الإعجاز في القرآن الكريم، ونتابع في هذا الجزء بعض الأوجه الأخرى.
7- عدم التعارض بين طرق التعليم:
من المشاكل الأساسية التي تترتب على اختلاف طرق التعليم هي أن استعمال أي طريقة أمام الجمهور غير المناسب يؤدي لمشكلة، فالإتيان بالأدلة البرهانية أمام جمهور بسيط قد يؤدي لضرر، واستعمال أدلة خطابية أمام جمهور من المفكرين والعلماء قد يجعلهم ينفرون من القول ويتعبرونه ساذجا، وهذا من الأسباب التي تجعل بعض الكتب تتناول إحدى الطرق دون البقية.
لكن القرآن الكريم قدّم حلا فريدًا لهذه المشكلة، إذ أن البراهين التي استعملها كانت مقدماتها مسلمة عند أهل الجدل، ومقبولة ومظنونة عند أهل الخطابة، فقدّم بذلك حلا إعجازيا لهذه المشكلة.
وهذا الحل مبني في القرآن على أمر في غاية البساطة لكنه في غاية الأهمية، وهي أن البشر مع اختلافهم في طرق التعليم إلا أنهم مشتركون في البديهيات العقلية، فهذه البديهيات يقينية وصحيحة فتلائم أهل البرهان، وهي مسلّمة ومشهورة فتلائم أهل الجدل، ومقبولة ومظنونة فتلائم أهل الخطابة.
وبالتالي قدم القرآن أدلة اعتقادية مبنية على البديهيات العقلية، فأصبحت ملائمة للأصناف الثلاثة، وتجنب القرآن استعمال الأدلة أو الألفاظ التي قد تؤدي لإشكال عند البعض دون البعض الآخر.
فمثلا في براهين وجود الإله لم يقدم القرآن أدلة تجريدية بحتة أو فلسفية صعبة، ولم يدخل في جدليات طويلة، بل قدم بشكل أساسي براهين كبرهان النظام وبرهان العناية وبرهان الخلق، وهي براهين مبنية على مقدمات يصل إليها أهل العلم بالحس والتجربة وأهل العقل بالتأمل العقلي،
لكن تم عرض هذه البراهين بأسلوب مبني على مقدمات حسية بسيطة تلائم الجميع، فهي يقينية وصحيحة ومسلمة ومشهورة ومقبولة ومظنونة، وبأسلوب سهل يلائم الجميع، وبلغة عذبة، فأصبح الدليل مع كونه برهانيا جدليا وخطابيا أيضا.
كما تم استعمال نفس الأسلوب في عرض برهان التمانع في الوحدانية، وبرهان اختلاف الخالق عن المخلوق للتنزيه، وبرهان التواتر في مسألة النبوة، وبراهين إمكان اليوم الآخر، ومثل ذلك كثير.
وهذا الأسلوب لا نظير له في أي كتاب آخر، بل إن علماء المسلمين أنفسهم الذين غفلوا عن بعض مقاصد القرآن اختلفوا في طريقة تعليم عامة الناس مثلا، وهل يجب أن نجبرهم على تعلم البراهين الصعبة أم لا، وهل يجب عليهم معرفة مناظرات المجادلين أم لا، ولو التفتوا للنص القرآني لوجدوا فيه أسلوبا تعليميا فريدا يغنيهم عن ذلك، وقد فصّل ذلك أيضا ابن رشد الفيلسوف.
8- تنوّع طرق التربية:
وطرق تربية النفوس أيضًا كثيرة متنوعة، أي طرق الحث على عمل الخير، وقد حصرها الفلاسفة فيما يأتي، الزهد، والعبادة، وتحريك النفوس بالأشعار والألحان والأوزان، والحث بالخطابة والموعظة، والتفكر، وحب أهل الحق.
والعجيب أن هذه الطرق كلها موجودة في القرآن، فتجد فيه الزهد والعبادات، وتجد فيه اللحن والوزن الجاذب للنفوس، وتجد فيه المواعظ والأمثال بشكل فريد، وتجد فيه التفكر في ملكوت السماوات والأرض، وتجد فيه الحب والعشق لأهل الحق.
وأغلب الكتّاب إن حاولوا الاهتمام بأحد جوانب التربية أغفلوا البقية، ولم يبرعوا فيها جميعا، ويميلون إلى ما يناسبهم هم، لكن القرآن مثلا يرغّب الراغبين في الجنة ويخوّف الخائفين من النار ويحبب المحبين للجناب الإلهي في توازن بديع، بينما تجد بعض المربين يقول إن طريق الله هو طريق الحب فقط وينكر عبادة طالبي الجنة أو الخائفين من النار، وهكذا.
9- الحقائق وغياب الأخطاء والتناقضات:
طبقا لما سبق فالقرآن الكريم مليء بالحقائق، منها الحقائق العقلية الاعتقادية والتشريعية العامة، والحقائق الجزئية التاريخية والمستقبلية والعلمية، وغيرها.
ومع طول النص القرآني وكثرة مسائله لا يوجد فيه أي تناقض أو اختلاف بين أجزائه. وبالرغم من طول مدة وجود القرآن على سطح الأرض، وكثرة قراءاته وتفسيراته وتحليلاته ومحاولات محاربته لم يستطع أحد أن يثبت وجود خطأ واحد في القرآن الكريم.
10- وحدة الأفكار والمستوى والأسلوب العام:
كما لا يوجد اختلاف أو تطور في الأفكار ومستواها، أو في المستوى البلاغي، أو في الأسلوب العام كما يحدث في كتابات البشر، فتجد الكاتب الواحد يتطور أسلوبه إذا كتب في فترة طويلة، بل يقوم بتعديل بعض أفكاره والتراجع عنها وتطويرها، لكن النص القرآني برغم نزوله في 23 سنة منزه عن هذا النقص.
11- التحدي والإفحام:
وقد جاء القرآن الكريم منذ قديم الزمن بتحديات واضحة، فتحدى معارضيه أن يأتوا بمثله، ثم بعشر سور، ثم بسورة، ثم بحديث مثله، ومع كثرة الحكماء والمفكرين وأهل الجدل والمناظرة وأهل البلاغة والفصاحة والشعر والعلماء وطول الزمان وشيوع التحدي لم يتمكن أحد على مر التاريخ بأن ينتصر في هذا التحدي أو يأتي بشيء مثل القرآن.
ومن التحديات أيضا التحدي بخلق الذباب أو إعادة ما يسلبه الذباب، وهو تحدي لم يفلح أحد فيه أيضا حتى الآن، برغم التقدم العلمي والتقني.
12- الفصاحة والبلاغة:
نزل القرآن في أفصح أهل الأرض، حيث لم تعرف البشرية في تاريخها كله تقريبًا لغة يمكن وزن جملها كما كان العرب يزنون أشعارهم، ونزل في أفصح العرب، فاعترفوا بفصاحته، وانهزموا أمامه، وتواتر الخبر بذلك كله، واستمر إلى اليوم أهل اللغة والفصاحة والبلاغة يتعلمون من القرآن، ويسعون في تبيين أوجه بلاغته، فيعجزون عن إحاطتها باعترافهم.
وما يزيد الإعجاز القرآني هو أن هذه البلاغة والفصاحة استخدمتا في الحديث في مسائل اعتقادية وأخرى تشريعية وثالثة تاريخية ورابعة أسرية وغير ذلك من المجالات سابقة الذكر، والعالم أو المفكر أو الفيلسوف يجهد لكي يوصل فكرته لغيره، فينشغل ذهنه عن أن يكون كلامه عذبا أو فصيحا، وبالمثل فيمن يحكي الوقائع التاريخية، ومن يكتب قوانين مجتمعية وأسرية، أو نحو ذلك، لكن القرآن الكريم يقوم بكل هذه المهام مجتمعة بأسلوب غاية في الفصاحة والبلاغة.
ومما يزيد الإعجاز البلاغي أيضا كون النص القرآني كله بليغا وعلى نفس الدرجة من البلاغة، فلا يوجد فيه بعض الأجزاء الركيكة أو الضعيفة كما نرى في كتابات أقوى البلغاء والأدباء.
13- الألحان والأوزان:
جاء القرآن الكريم بأوزان بديعة في آياته، كما جاء بطريقة خاصة في القراءة والتجويد، نزل بها منذ أول يوم، وقرأه النبي بها، وعلّم الناس أن يقرأوه بها. وهذه الأوزان مع قراءتها بهذه القوانين المخصوصة يكسبان القرآن ألحانًا خاصة به، تجذب الذهن، وترقق النفس، فهي ألحان ملائمة لغرضه، فليست مثلا ألحانا سريعة أو خليعة أو غير ذلك مما لا يلائم الغرض.
ويمكن للأذن العادية أو الموسيقية بسهولة تبين الجمال والحلاوة في هذه القراءة، ويزداد الإعجاز الموسيقي – إن صح التعبير- بما يزداد به الإعجاز البلاغي، وهو كون هذا الكلام الملحن والموزون يتناول كل هذه القضايا والمجالات والموضوعات، ويحقق كل هذه الأهداف، والبشر يجهدون في كتابة كتاب في العقيدة أو في التشريعات القانونية فلا يراعون فيه وزنًا ولا لحنا، ثم يكتبون كتابًا ملحنًا فلا يأتي محتواه فلسفيا اعتقاديا تشريعيا تاريخيا تربويا وهلم جرا!
14- الشمول والتكامل والتداخل والتوازن:
أصبح واضحا أن من أهم أسباب الإعجاز القرآني هو أنه يقوم بكل هذه المهام ويقدم كل هذه المحتويات معا في نفس الوقت، وبتداخل وتوازن بديع، فأنت تقرأ بضع آيات متتاليات؛ فتجد فيها حقائق عامة في العقيدة والشريعة تطابق ما يصل إليه العقل من حقائق، وتلحظ أنها محفوظة كما نزلت على النبي،
وتجد فيها جزئيات غيبية تاريخية ومستقبلية وعلمية معجزة، وجزئيات اعتقادية وتشريعية عبادية وتعاملية، تتناول النواحي الفردية والأسرية والاجتماعية، بطريقة برهانية وجدلية وخطابية، ومع الاهتمام بالأبعاد التربوية المختلفة، وبأسلوب بليغ بديع، وبوزن عذب خلاب، وبلحن جميل جذاب، مع غياب الأخطاء والتناقضات والاختلافات والضعف والركاكة، ومع التحدي بأن يستطيع أي إنسان أن يأتي بمثلها!
إن هذا المعجون القرآني العجيب لهو معجزة مذهلة بكل المقاييس، ولا يستطيع عقل بشري أن ينتج مثله أبدا، ولو عكف على ذلك طول الزمن!
15- التجدد المستمر:
لا تجد أحدا يقول لقد عرفنا كل ما في القرآن وبالتالي لا حاجة لنا بقراءته مرة أخرى، أو أنني استفدت منه تربويا بما يكفي فلا أحتاج أن أقرأه مرة أخرى، ولا يصاب الناس بالملل من سماعه وتكراره باستمرار!
هذا التجدد المستمر يعود لكل العوامل السابقة، من كون المحتوى به عقائد وتشريعات مناسبة لكل مكان وزمان، ومن حيث تنوعه وعمقه وقوته وبلاغته وجاذبيته ، فلا يسأم منه قارئ، ولا يمل منه سامع، ولا يقدم بمرور الزمن.
16- معجزات أخرى:
وبالتأكيد أوجه الإعجاز في القرآن كثيرة ومتنوعة، ولذلك كانت تسمية جمله بـ “الآيات” تسمية حقيقة، فكل “آية” منه آية ومعجزة!
اقرأ أيضاً:
*****************
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا