مقالات

مشروع ستار شوت

للسفر إلى نجم آخر في أثناء فترة حياة البشر!

طول عمر سنين البشر، والوقت اللي مر على وجودهم على كوكب الأرض، كانوا دايمًا بيرفعوا عيونهم إلى السماء ويتفرجوا على النجوم، ويحلموا إن يومًا ما يوصلوا ليها ويشوفوها بعيونهم.

لسنين طويلة جدًا، الحلم ده كان مستحيل حتى التفكير في إننا ممكن نحققه في يوم، عشان المسافات الشاسعة الضخمة جدًا اللي بتفصل ما بين النجوم والأجرام السماوية، أعظم من كل خيالاتنا وقدرتنا على الاستيعاب، ومحتاجة تكنولوجيا متطورة لسه مش موجودة على الكوكب كله.

يكفي إني أقولك إننا عشان نوصل لأقرب نظام شمسي لينا، اللي هو (Alpha Centaury) الموجود على بعد 4 سنين ضوئية تقريبًا من الأرض، وباستعمال أسرع مركبات فضائية توصل ليها الإنسان على الإطلاق، اللي زي مركبات فوياجر (Voyager) ونيو هورايزون (New Horizons) وبايونيير (Pioneer)، ممكن تستغرق حسب أكثر الحسابات طموحًا، أكتر من 6300 سنة كاملين!

عشان كده الحلم ده طول عمره كان صعب، ومستحيل التحقق بالتكنولوجيا الحالية، عشان هو مش عايز مجرد تكنولوجيا، ده عايز معجزة تقنية وهندسية تقدر تحقق شيء عمر ما حد قدر يعمله قبل كده، تكنولوجيا تقدر تكسر حاجز النجوم والفضاء والزمن نفسه!

دفع الليزر الضوئي

بس المذهل والمبهر بقى، إن في فكرة جديدة مقترحة لتصميم مركبة فضائية بتشتغل بالدفع الضوئي لـ”شراع ليزري” شبه الشراع بتاع السفن اللي بتمشي في البحر! والمركبة دي هتقدر فعليًا توصل لـ20% من سرعة الضوء بدون أي عوائق فيزيائية! وده ممكن يخلينا نقدر نحقق الحلم بتاعنا ده، ونوصل لـ(Alpha Centaury) في 20 سنة بس!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

الفكرة دي بالفعل بيتم دراستها حاليًا، وهيبدأ العمل عليها قريب في واحد من أكبر المشاريع الهندسية والفضائية اللي هيخوضها الإنسان في التاريخ على الإطلاق، مشروع الخروج من نظامنا الشمسي، والوصول إلى النجوم!

هات كوباية شايك الحلوة والنعناع، وتعالى بقى معايا النهارده أحكيلك الفكرة العبقرية لمشروع (Breakthrough Starshot)، وحضر نفسك معايا لرحلة ما بين النجوم.

اقرأ أيضاً: سجلات فوياجر الذهبية

أشرعة مصممة للرياح السماوية

مشروع ستار شوت

في البداية، لو إنت فاكر إن فكرة السفر عبر الكون باستعمال شراع بيتحرك مع حركة الأضواء الكونية فكرة جديدة، فخليني أفاجئك وأقولك إن ده مش صحيح، عشان في الواقع أول ذكر لحاجة زي كده بيرجع تاريخه لسنة 1610، في رسالة كتبها الفلكي الشهير كيبلر (Kepler) لصديقه العالم الأشهر جاليليو جاليلي (Galileo)، قاله فيها:

“With ships or sails built for heavenly winds, some will venture into that great vastness”.

بمعنى: “باستعمال سفن أو أشرعة مصممة للرياح السماوية، سيغامر البعض بالذهاب نحو ذلك الاتساع العظيم”.

طبعًا في الوقت ده، ورغم كل اكتشافاتهم وإنجازاتهم العلمية اللي غيرت الطريقة اللي بنشوف بيها العالم، فهُمّه مكانوش يملكوا التكنولوجيا اللي تأهلهم إنهم يستكشفوا فكرة طموحة زي دي، والحقيقة إن الموضوع فضل مجرد فكرة مش أكتر، لحد سنة 1960، لما العالم المجري جيورجي ماركس طرح تساؤلات علمية عن مدى واقعية تنفيذ وتصميم مركبة بتمشي في الفضاء باستعمال قوة دفع من حزمة موجهة من الطاقة، تزق شراع المركبة دي وتكسبها سرعة ضخمة!

إطلاق أول مسبار صغير مزود بشراع ضوئي

في السبعينيات، العالم الأمريكي روبرت فورورد أخد الفكرة دي لقدام أكتر، واشتغل عليها لسنين طويلة، لحد ما في سنة 1984، نشر ورقة بحثية قال فيها إن قوانين الفيزياء لا تعارض فكرة استعمال الأشرعة الضوئية للسفر للنجوم الأخرى، وإن الفكرة ممكنة التنفيذ فعلًا دون كسر قواعد الفيزياء!

من هنا بقى بدأ السباق، لحد ما في سنة 2010، أخيرًا وكالة الفضاء اليابانية JAXA أطلقت مسبار صغير مزود بشراع ضوئي، اسمه إيكاروس (IKAROS)، والمسبار الصغير ده بعد ما وصل لمدار كوكب الزهرة، فرد الشراع بتاعه اللي طوله كان تقريبًا 14 متر، وعرضه أقل من تلت عرض الشعرة البشرية، وبالفعل في خلال شهر، تم تأكيد إن ضوء الشمس اللي بينعكس من على الشراع ده، بيزقه وبيديله سرعة وصلت لـ1430 كيلومتر في الساعة!

يعني أخيرًا قدروا يأكدوا إن أسطورة السفر في الفضاء باستعمال شراع سفينة بيسبح باستعمال الضوء نفسه، مش خيال! وكل اللي كان باقي إننا نستعمل الأساس العلمي ده في تصميم أول مركبة أو مسبار حقيقي بشراع ضوئي، يقدر ينتقل لنظام شمسي آخر، ومن هنا بقى، جه مشروع (Breakthrough Starshot).

تعرف على: الأوتار الفائقة ونظرية الكون الحلقي

شراعاً شمسياً بين النجوم مدعوماً بالليزر

مشروع ستار شوت

طب إيه بقى المشروع ده بالظبط، وإزاي ممكن يخلينا نوصل لإنجاز ضخم زي ده، في وقت عمرنا وحياتنا على الأرض؟ ركز بقى معايا في اللي جاي عشان هيبهرك فعلًا.

شوف يا عم، المشروع ده باختصار إنهم عايزين يبنوا مركبة فضائية صغيرة جدًا جدًا لدرجة لا تستوعب، لدرجة إن وزنها أقل من جرام واحد! والمركبة أو المسبار ده هيكون مزود بأحسن تكنولوجيا توصل ليها الإنسان، وشراع ضوئي صغير، هنطلق عليه حزمة من الليزر من موقعنا هنا على الأرض، عشان موجات الضوء دي تزقه حبة حبة، لحد ما في وقت قصير، يقدر يكتسب سرعة توصل لـ20% تقريبًا من سرعة الضوء!

السرعة دي بعد كده هتخلي المسبار ده يتوجه ناحية النظام الشمسي ألفا سينتوري (Alpha Centaury) اللي يبعد عننا تقريبًا 4 سنين ضوئية، ويوصله في 20 سنة بس! ومش بس كده، ده هيصور الكوكب الخارجي أو الـ(Exoplanet) اللي بيدور حوالين النجم ده في المنطقة الصالحة للحياة، اللي اسمه (Proxima Centaury B)، ويقدر يتعرف على معالم سطحه ويصورها من جوه كإنه بيصور كوكب الأرض نفسه!

الفكرة بقى إن المشروع الضخم ده، واللي كان موجود في مجلس الإدارة بتاعه العالم العظيم ستيفن هوكينج قبل ما يتوفى، وبيموله رجل الأعمال الكبير يوري ميلنر، وكمان بيتلقى دعم من رئيس مجلس إدارة فيسبوك أو ميتا مارك زاكربيرج- طموح لدرجة غير مسبوقة، ومحصلتش قبل كده في تاريخ العلم البشري، وسبب الطموح ده إن الفكرة دي أخيرًا بتفتح قدامنا وسيلة حقيقية وفعالة للوصول إلى نظام شمسي تاني بره مجموعتنا الشمسية، بدون كسر أي قواعد فيزيائية.

بس المشكلة بقى إن عشان المشروع ده يتحقق ويوصل للي عايزه، لسه قدامه عوائق هندسية كتير محتاج يتخطاها ويتجاوزها، عشان ينفع يتم إطلاقه ويعمل بالطريقة اللي إحنا عايزينها، والعوائق دي صعبة فعلًا، وهتحتاج لسه لسنين من الشغل المتواصل، قبل ما نقدر نحول الحلم ده لحقيقة.

عوائق مشروع ستار شوت

لو هتسألني بقى إيه العوائق دي؟ هقولك إن أول حاجة مثلًا هي التصميم اللي هيتعمل بيه الشراع الضوئي، يا ترى الشراع ده هيتعمل إزاي؟ وأنهي مادة اللي هتقدر تستحمل السفر في الفضاء بسرعة توازي 20% من سرعة الضوء، من غير ما تتمزق تحت تأثير ضغط السرعة، وكمان تستحمل التصادمات مع ذرات الغبار والصخور الميكروسكوبية اللي بتملا كل حتة في الفضاء؟

مش بس كده، ده عشان الشراع ده يتم دفعه بالضوء لحد ما يوصل للسرعة العملاقة دي، فهو هيحتاج إننا نركز عليه ضوء الليزر بدقة متناهية، مع العلم إن حجم المسبار كله على بعضه بالشراع بتاعه، هيبقى في حدود السنتيمترات!

أنهي ليزر ده اللي هيقدر يوصل لدقة زي دي لو تم إطلاقه هنا من جوه الغلاف الجوي للأرض؟! وإزاي هيقدر يستحمل التشتت اللي بيحصل لفوتونات الضوء من الغلاف الجوي، ويحافظ على دقته عشان يفضل متركز على الشراع؟ ده حسب الدراسات اللي بيعملها الفريق على المشروع، التكنولوجيا الحالية اللي نملكها في تصميم الليزر، محتاجة تتطور بمعامل يساوي أكتر من 100 ضعف قدرتها دلوقتي عشان تبقى فعالة!

ده غير إن طاقة الليزر نفسها ممكن تعلي حرارة الشراع لدرجة كبيرة جدًا، وتحرقه أول ما يتحرك، فبالتالي لازم مادة الشراع تكون متصممة بطريقة تقدر تستحمل الحرارة دي، وتقدر تعكس أكتر من 99.9% من الضوء اللي بيصطدم بيه! وبتعبير أكثر دقة، فالشراع هيحتاج إنه يمتص واحد بس من كل 100 ألف فوتون يصطدم بيه، عشان يفضل سليم!

ده غير إن المسبار هيحتاج يبقى مزود بكاميرا شديدة الجودة، وجهاز إرسال واستقبال ومعالج كمبيوتر وأجهزة توجيه واستشعار عن بعد، وكل ده المفروض وزنه ميعديش أكتر من جرام واحد بس، عشان وزنه يفضل خفيف بما فيه الكفاية إنه يوصل للسرعة المطلوبة!

اقرأ أيضاً: الكون الغامض واحتمالات المستقبل

التغلب على مشكلات مشروع ستار شوت

مشروع ستار شوت

طبعًا إنت ممكن تكون فاكر إن حاجة زي كده مستحيلة، بس خليني أقولك إن تكنولوجيا العصر الحالي خلت العلماء يقدروا يصمموا كاميرا وزنها أقل من جرام، بتقدر تصور بدقة 200 بيكسل، طبعًا ده مش كتير بمقاييس الهواتف الذكية بتاعت اليومين دول، بس ما زال إنجاز كبير ويقدر يخلينا نصور الكواكب والظواهر اللي بتحصل بدقة مقبولة.

حسب قانون موور (Moore’s Law)، اللي بيقول إن كل سنتين هيتضاعف عدد الترانزستورات اللي ينفع نبنيها على الرقائق الإلكترونية، فخلال سنين قليلة هيكون عندنا القدرة إننا نصمم حاجات مبهرة أكتر من كده، وبالفعل المشروع خد تمويل رسمي من رجل الأعمال يوري ميلنر، اللي بدأ المشروع كله أصلًا، بتقريبًا 100 مليون دولار.

ده غير إنهم بيخططوا للتغلب على بعض المشاكل دي، بإنهم يصمموا أكتر من 1000 مسبار، هيسموهم (Micro Chips)، وبعدين هيزقوهم باستعمال الليزر المتطور ده واحد ورا التاني، كلهم في اتجاه ألفا سينتوري، بحيث إن حتى لو حصلت مشاكل وحوادث في أثناء الرحلة، واتدمر بعضهم، فيفضل شوية على الأقل سليمين، لحد ما يوصلوا لوجهتهم.

متى نرى سطح أول كوكب خارج مجموعتنا الشمسية؟

كمان بيحاولوا يطوروا تكنولوجيا تخليهم يطلقوا الليزر اللي هيزقوا بيه الأشرعة الضوئية دي، ويركبوه في الفضاء من دون تكلفة كبيرة، بالتعاون مع ناسا و(Space-X)، وبكده ممكن يخلوا دقة الليزر أعلى بكتير من دقته لو كان على الأرض، وممكن يوصلوا المسابر دي لسرعات أعلى كمان.

بس عشان نقدر نوصل لتصميم التكنولوجيا اللازمة لإطلاق المشروع ده بشكل كامل، والتغلب على المشاكل الهندسية اللي ممكن تواجهه، فالفريق بتاعه لسه قدامه شغل كتير جدًا هياخد سنين طويلة، وحسب كلام قادة المشروع، فأفضل الاحتمالات طموحًا بيقول إن المشروع ده هيتم إطلاقه في منتصف التلاتينيات من القرن!

طبعًا عشان لسه هيسافروا مسافة 4 سنين ضوئية بسرعة 20% من سرعة الضوء، فهياخدوا وقت 20 سنة تقريبًا عشان يوصلوا للنظام ألفا سنتوري، وبعدين عشان يصوروا الكواكب والنجم، ويبعتوا صورهم هنا للأرض، فده هيستغرق 4 سنين كمان عشان الموجات دي توصل للأرض هنا بسرعة الضوء!

يعني أفضل احتمال ممكن للمهمة دي بيقول إننا هنقدر نشوف صور من سطح أول كوكب خارج المجموعة الشمسية بتاعتنا، بحلول سنة 2060 على أقل تقدير!

اقرأ أيضاً: محرك MEGA الفضائي

الطريق إلى النجوم

طبعًا إنت ممكن تكون فاكر إن الاستثمار في مشروع زي ده هبل ومش واقعي خالص، في ظل الظروف اللي بتحصل في عالمنا دلوقتي، بس في النهاية دايمًا العلم بيفكر بلغة مختلفة عن دماغي ودماغك، والزمن اللي بيتقاس بيه التطور بيتقدر بفترات لا تستوعب، وممكن توصل لمئات ويمكن آلاف السنين.

رغم إن ده ممكن يبان متعارض مع سرعة العالم دلوقتي، اللي بيفكر بلغة الأيام والشهور، فالتفكير متعدد الأجيال ده الشيء الوحيد اللي ممكن يوعدنا بنتائج غير مسبوقة في تاريخ التطور البشري على كوكب الأرض!

وهو الشيء الوحيد اللي يقدر يخلينا نحقق أكبر إنجاز علمي للجنس البشري على مر العصور! وناخد أول خطوة حقيقية نحو النجوم!

مصادر:

https://astronomy.com/magazine/news/2021/06/breakthrough-starshot-a-voyage-to-the-stars-within-our-lifetimes

https://bigthink.com/starts-with-a-bang/breakthrough-starshot-survive/

https://www.space.com/interstellar-flight-lightsail-design

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. محمود علام

كاتب روائي وباحث، وسيناريست