مقالات

مشروع بنما حرق الكتب.. محو التاريخ

تخيل لو قررت شركة أن تجمع نسخ كتاب ما المطبوعة كلها من العالم، وقررت أن لا يملك أحد أي نسخة غير النسخة التي تقدمها هذه الشركة، ودمرت هذه النسخ كلها وحرقتها.

ثم أنزلت نسخة إلكترونية من هذا الكتاب، وقالت للناس بعد بضعة أجيال، أو بضع سنوات، هذه هي الحقيقة من كتاب كذا، أو هذا هو التاريخ من كتاب فلان، الذي لا يملك أحد نسخة منه، ولا يعرفه أحد!

طبعًا حينها لن يستطيع أحد الاعتراض أو التشكيك، فهي المالك الوحيد لكل النسخ، ودُمِّرت النسخ الأخرى كلها، ولا يوجد غير النسخة التي تقدمها هذه الشركة.

هذا ما تفعله شركات الذكاء الاصطناعي اليوم، في الأشهر الأخيرة تسرب ما يعرف بمشروع بنما، ومشاريع أخرى تنفذها شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية، شراء ملايين الكتب الورقية، وحرقها، مع الاحتفاظ بنسخة إلكترونية منها عند الشركة، تستعملها بالطريقة التي تريدها. ما يسمى المسح التدميري (Destructive Scanning).

يشارك في هذا شركات عديدة مثل أوبن إي آي، وأنثروبك، وغيرهم من كبار شركات الذكاء الاصطناعي حول العالم.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

الحجة: التغلب على حقوق الطبع القانونية، لكن الواقع: إعادة كتابة التاريخ والمعارف البشرية، تمامًا كما أحرق الصليبيون كثيرًا من المعارف في الأندلس، والاستعمار الأوروبي في مكتبات تمباكتو المسلمة، والغزو الإسباني في جنوب أمريكا من تدمير معارف حضارات الإنكا والأزتيك ولغاتها كلها، ومثلما أحرق النازيون والعنصريون كثيرًا من الكتب في أوروبا، وأيضًا كانت محاكم التفتيش في أوروبا تحرق الكتب، وأحرق يوليوس قيصر مكتبة الإسكندرية لتضيع معها معارف الفراعنة، وتعيش بعدها مصر في 700 سنة من فقدان الذاكرة والغيبوبة تنسى فيها لغاتها والديانات القديمة والمعارف الفرعونية القديمة.

حين دخل المسلمون مصر والشام، وجدوا شعوبًا تشبه إلى حد كبير شعوب الهنود الحمر اليوم في أمريكا، شعوب لا تعرف أي شيء عن لغاتها القديمة ولا دياناتها القديمة ولا حضاراتها القديمة، شعوب فاقدة للذاكرة، تتبع اليونان والرومان وتقلد لغاتهم ودياناتهم وأفكارهم!

كل هذا لمسح ذاكرة البشرية والشعوب، ثم إعادة كتابة التاريخ بالطريقة التي يريدها المستعمر والمسيطر!

حرق الكتب عادة أوروبية قديمة، وتزوير التاريخ، ومستمرة حتى اليوم، ويحاولون أحيانًا إلصاق هذه التهمة بالمسلمين، لكن أيضًا عبر تزوير التاريخ واختراع القصص.

لذلك نجد الحضارة الإسلامية تضم الحضارات التي سبقتها وتتقبلها وتربط بينها، ولم يُقضى على الحضارات ولا الأديان السابقة للإسلام؛ الفارسية والهندية والمصرية والعراقية والشامية والصينية واليونانية والبيزنطية، إلخ، الزراديشتية والمسيحية واليهودية والهندوسية والتاوية والبوذية، إلخ.

في حين حضارة الغرب تمامًا مثل الجراد، تسعى دائمًا لمحو التاريخ والذاكرة السابقة، ثم إعادة كتابة التاريخ كتابة مزورة، بعد القضاء على الحضارات السابقة مثل حضارة الفراعنة أو الأزيتيك أو الإنكا، إلخ.

اليوم نرى بأعيننا نسخة جديدة متطورة من طريقة التفكير نفسها، حرق الكتب، محو التاريخ، ثم إعادة كتابة التاريخ، إعادة الكتابة بالطريقة التي تناسب رجال الأعمال والأشرار المسيطرين على الإعلام والمال والسياسة.

مقالات ذات صلة:

أكاذيب التاريخ

الذكاء الاصطناعي لا يفكر بدلًا منك بل يكشف طريقة تفكيرك

كلنا ذلك الرجل .. إلا..

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. خالد عماره

الاستاذ الدكتور خالد عماره طبيب جراحة العظام واستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة عين شمس