سلسلة ما بعد الإنسانية – الجزء الثاني
طبيعة الأشخاص
دعنا ننظر في بعض الأفكار التي تم التعبير عنها في “البيان”. عموما، طورت نصوص تجاوز الإنسان الأساسية نوعا من المسارات التطوير الشخصي للإنسان المعاصر، بإجازة تقنية
إنسان القرن 21 المعزز “رقی” مهم مع تعزيزات إدراكية وجسدية أخري حالة ما بعد الإنسان “الذكاء الخارق”
باستعادة كرونولوجيا (الترتيب الزمني حسب الحدوث) التعزيزات، دعنا نسأل من جديد: هل تشرع في هذه الرحلة؟ هنا توجد أسئلة فلسفية عميقة ليس لها إجابات سهلة. لأنه لفهم ما إذا كان عليك أن تعزز نفسك، عليك أولا أن تفهم ما عليك أن تبدأ به، لكن ما هو الشخص؟ ومع إدراكك للشخص، بعد مثل هذه التغيرات الجذرية، هل تستمر أنت نفسك في الوجود، أو تكون قد توقفت عن الوجود، حيث تم استبدالك بشخص آخر؟ أو أن الحالة في الأخيرة، لماذا ترغب في الشروع في مسار إلى تعزيز جذري من الأساس؟([liii])
لاتخاذ مثل هذا القرار، على المرء أن يفهم ميتافيزيقا الهوية الشخصية – أي يجب على المرء أن يطرح السؤال: بفضل ماذا تستمر ذات خاصة أي شخص في الوجود عبر الزمن؟ المكان الجيد للبداية يكون مع دوام الأشياء اليومية عبر الزمن. فكر في آلة الإسبرسو في مقهاك المفضل. وافترض أن خمس دقائق قد مرت وأوقف عامل المقهى الآلة. تخيل سؤالك للعامل عن ما إذا كانت الآلة هي نفسها التي كانت موجودة منذ خمس دقائق. من المرجح أن يخبرك بأن الإجابة بالغة الوضوح – من الممكن بالطبع الآلة ما ولنفس الآلة أن تستمر في الوجود مع مرور الزمن. تبدو تلك حالة معقولة من الاستمرار، حتى لو تغيرت صفة واحدة على الأقل للآلة. من جانب آخر، لو تم تفتيت الآلة أو تذويبها، لن تعد نفس الآلة موجودة، وما يتبقى قد لا يكون أية آلة سبرسو على أي حال، في ما يتعلق بهذا الأمر. لذلك يبدو أن بعض التغيرات تؤدي إلى توقف شيء ما عن الوجود، بينما تغيرات أخرى لا تفعل ذلك. ويطلق الفلاسفة على الصفات التي تكون لدى الشيء طالما ظل موجود “الخواص الجوهرية”([liv]).
والآن انظر إلى مسار متجاوز الإنسان من أجل التعزيز: لكي يكون تعزيز ما اختيار جدير بالاهتمام من أجلك، عليه أن يمثل نوعا من التطور الشخصي. في مجرد الحد الأدنى، حتى لو قدم التعزيز فوائد مثل ذكاء الإنسان الفائق وامتداد جذري للحياة، لا يجب أن يتضمن إلغاء لأي من خواصك الجوهرية. لأنه في هذه الحالة، قد لا يتم استخدام العقل الأكثر فطنة والجسد الأكثر ملاءمة بواسطتك – قد يستخدمهما شخص أخر، حتى لو كنت ترغب في أن تصبح ذكاء فائقا، فإن المشروع عمدا في مسار مبادلة واحد أو أكثر من خواص الجوهرية قد يكون معاد للانتحار – أي يعادل أن تسبب لنفسك عن قصد التوقف عن الوجود . لذلك قبل تعزيز نفسك، قد يكون من الأفضل أن تمضي في التعامل مع ماهية خواصك الجوهرية([lv]). في الحقيقة هذا يدفعنا إلي الحيرة والقلق أكثر من حيث أنه لا يوجد ضمان علي بقاء الإنسان كما هو بكل صفاته الجوهرية؛ لأن مسألة تطور ذكاء الإنسان تمثل تهديدا اساسيا علي التغير الذي يطرق علي طبيعة البشر.
تمسك أنصار تجاوز الإنسان بهذه القضية. يسأل رای كیرزويل: “إذن من أنا؟ حيث إنني أتغير باستمرار، هل أنا مجرد نمط؟ ماذا لو نسخ شخص ما هذا النمط؟ هل أنا الأصلي ورأى النسخة؟ ربما أنا هذه المادة هنا – أى كل من التجميع المنظم والعشوائي للجزيئات التي يتكون منها جسمي ومخي”. يشير كيرزويل هنا إلى نظريتين في المرحلة المركزية في النزاع الفلسفي القديم حول طبيعة الأشخاص. وتتضمن النظريات الرائدة ما يلي:
نظرية الروح: جوهرك هو روحك أو عقلك، الذي يعتبر هوية غير مادية تتميز عن جسدك.
نظرية الاستمرارية الجسمانية: أنت من الناحية الأساسية ذكرياتك والقدرة على التفكير في نفسك (لوك Locke) وفي شكلها الأكثر عمومية، أنت ترتيبك النفسي الشامل، وهو ما يشير إليه كيرزويل باعتباره “نمطك”.
المادية: أنت من الناحية الأساسية المادة المصنوع منها – وهو ما يشير إليه كيرزويل باعتباره “التجميع المنظم والعشوائي للجزيئات التي يتكون منها جسمى ومخي”.
وجهة نظر اللانفس: النفس وهم. و”أنا” خيال نحوي (نيتشه). هناك مجموعة من الانطباعات لكن لا تتضمن النفس (هيوم). لا بقاء لأنه لا يوجد شخص (بوذا)([lvi]).
عند التفكير يكون لكل من وجهات النظر هذه تضميناتها الخاصة حول ما إذا كان على المرء أن يعزز نفسه. لو أنك تمسكت ب(1)، فإن قرارك للتعزيز يعتمد على ما إذا ا كنت تعتقد بان الجسم المعزز سوف يحافظ على نفس الروح أو العقل غير المادي). لو اعتقدت في (3)، عندئذ أي تعزيزات يجب ألا تغير دعامتك المادية. بالعكس، تبعا لـ (2)، يمكن للتعزيزات أن تغير الدعامة المادية لكن يجب أن تحافظ على ترتيبك النفسي. في النهاية تتناقض (4) بشدة مع (1) – (3). لو تمسكت ب(4)، عندئذ ليس بقاء الشخصية مشكلة، حيث ليس هناك شخص للبدء به. قد تكافح لتعزيز لا شيء، إلى حد أنك تجد قيمة جوهرية في إضافة المزيد من الذكاء الفائق إلى الكون – قد تحدد قيمة أشكال الحياة بأشكال الوعى الأعلى وترغب في أن يكون “ورثتك” هذا الكائن([lvii]). علي الرغم من هذه المدارس الفلسفية العديدة وتنوعها إلا أن مرحلة تجاوز الإنسان تمثل مرحلة أو خطوة من الممكن أن يؤدي إلي القضاء علي هذه المدارس وتنوعها، وتظل مدرسة واحدة وهي مدرسة الإنسان ذو بعد آلي، مما يعني أن الحديث عن هذه المدارس درب من الخيال أو جزء من التراث القديم المهجور.
من بين كل وجهات النظر هذه، تعتبر (2) حاليا هي الأكثر تأثيرا، كما يؤكد الفيلسوف إريك أولسون Eric Olson :
أغلب الفلاسفة يعتقدون بأن هويتنا عبر الزمن تشمل نوعا من الاستمرارية النفسية. أنت، بالضرورة، كائن المستقبل هذا الذي بمعنى ما يرث سماته العقلية منك .. هذا الذي لديه السمات العقلية يملك الجزء الأكبر منها لأن لديك السمات العقلية التي تملكها الآن. وأنت هذا الكائن الماضي الذي ورثت سماته العقلية.
وجهة النظر هذه فاتنة جدا حتى أن الكثيرين يشعرون بأنهم مخولون لتأكيدها دون حجة([lviii]).
المراد بالهوية هنا الهوية في البعدين الثقافي والاجتماعي، ومع اعتماد الفرد بشكل كلي وملحوظ على التقانات الحديثة في شتى مجالات حياته، نتج عنه زيادة في النمطية، ومن ثم اختفاء وتضاؤل هويته، وهذا كان ناتجه بالفعل (قضية ما بعد الإنسان، وعولمته، أو إنسان ما بعد الحداثة، أو كما يقال الإنسان الافتراضي)، وفي الوقت الحالي قد وظفت التقانة لأغراض السوق، والعرض والطلب، وبذلك كثيرا ما تباع الهوية وتسوق كأي سلعة، وبغض النظر عن دلالتها الإنسانية([lix]).
بما أن أهمية الهوية الأساسية التي تعمل على تكويني كشخص، وهي هوية كائن متميز في الوجود، وعلى المستوى العام شكل الطبيعة الأساسية للإنسان، وهي كونه شخصا (له سماته الفردية)، وعلى المستوى الفردي أن تكون له شخصية متميزة، إنها روح داخلية تعطي الشخص الكيان والتميز والتفرد والثبات، وهي مصدر الهوية”([lx]).
ليست الفردية الجينية خيرا بشريا لا يمكن الاستغناء عنه، وذلك، لأن التوائم المتطابقة تتقاسم نمطا جينا مشتركا، ويبدو أنها لا تتأثر به، ولكن هذه الحجة تفتقد إلى السياق والبيئة التي فيها يولد المستنسخ البشري، فالتوائم المتطابقة لديهم أبوان بيولوجيان، ولدا معا وقبل أن ينمو كل منهما، ويظهر إمكانياته الطبيعية أو غيرها؛ حيث أن كلا منهما متحرر من عبء المقارنة والقياس، أو حتى المعرفة المقدمة بالسمات الجينية للأخر، ولأن كلا منهما يبدأ حياته مع بعضهما البعض([lxi]).
لكن الفرد المستنسخ يعد نسخة شبه جينية للشخص الذي يعيش بالفعل، أو عاش بالفعل، ومن ثم فإن هذا قد يقيد إحساس الشخص المستنسخ بذاته بطرق تختلف في نوعها عن تلك الموجودة في التوائم المتطابقة؛ حيث إن كل شيء يتعلق بالسلف – من الطول البدني ومظهر الوجه وأنماط الصلع والأمراض الوراثية وحالته المزاجية ومواهبه الأصلية حتى تشكيل الحياة وطول الأيام وحتي سبب الوفاة – سوف يظهر أمام تلك العيون المترقبة للشخص المستنسخ، فالأمر الحاسم ليس ببساطة تلك الحقيقة المتعلقة بالدرجة التي تشكلنا بها الهوية الجينية – على الرغم من أنها بالتأكيد تشكلنا إلى حد ما- ولكن ما يهمنا هو ما يتعلق بتصور الفرد لأهمية “الحياة السابقة”، والطريقة التي يتقلص بها الإدراك، ويحد من الشعور بمعنى الذات والاستقلالية([lxii]). وفي هذا يقول هايدجر: “لا يوجد في الحقيقة سوى وجود واحد يستطيع أن يسائل نفسه عن الوجود، وهذا الموجود الممتاز هو الموجود الذي أكونه (أنا)”([lxiii]).
يعتقد دعاة الإنسان البديل من أمثال نيك بوستروم وماكس مور؛ أن تكنولوجيات تعزيز الإنسان يمكن استخدامها لتحسين حياة الإنسان، ويعتقدون أنه لا وجود لما يبرر أوامر أخلاقية تحظر تطوير واستخدام تكنولوجيات تعزيز الإنسان، ولكن منتقدي تعزيز الإنسان، من أمثال فرنسيس فوکوياما وليون كاس، يعارضون التدخل العابر لإصلاح الطبيعة البشرية بغرض التعزيز. وواجهت عمليات تعزيز الإنسان معارضة لأسباب عديدة متباينة من بينها: الزعم بأنها منافية للطبيعة، وإنقاص من كرامة الإنسان وتأكل للمساواة الإنسانية؛ فضلا عن أنها قد تكون ضارة جسديا ونفسياً.
ونذكر أن من بين القضايا موضوع الجدال بشأن تعزيز الإنسان؛ تأثيرها المحتمل في الهوية الشخصية. ونفهم هنا الهوية الشخصية على أنها مجموع الصفات (المدركة) التي تجعل من المرء شخصا متفرداً ، خاصة كما يفهم نفسه ، ويمكن توقع أن يؤثر تعزيز الإنسان في الهوية الشخصية؛ لأنه يتضمن إدخال تعديلات على عقل الإنسان وجسمه وتزويد المرء بقدرات فوق عادية. وطبيعي في أن هذه القدرات الجديدة يمكن أن تغير الطريقة التي ينظر بها الإنسان وتغير سلوكه أو تغير طريقة معايشة خبرته بالعالم وبنفسه. وأكثر من هذا أنه يمكن تعديل البشر إلى حد أن الكائن الحي الناتج عن ذلك لا يمكن التعرف عليه تماما بوصفه عضوا من الهوموسابينس (الإنسان العاقل)، وقد أصبح إنسانا بديلا أو شكل حياة ما بعد الإنسان الذي من شأنه أن يؤدي إلى تغييرات أكثر جذرية في الهوية الشخصية([lxiv]).
الحفاظ على الهوية الشخصية، خاصة إذا تم إعطاء هذه الفكرة تفسيرًا ضيقًا، ليس كل شيء. يمكننا أن نقدر أشياء أخرى غير أنفسنا، أو قد نعتبرها مرضية إذا بقيت بعض أجزاء أو جوانب أنفسنا على قيد الحياة وازدهرت، حتى لو كان ذلك يستلزم التخلي عن بعض أجزاء أنفسنا بحيث لم نعد نعتبر الشخص نفسه. قد لا تتضح أي أجزاء من أنفسنا قد نكون على استعداد للتضحية بها حتى نتعرف بشكل كامل على المعنى الكامل للخيارات. قد يكون الاستكشاف الدقيق والمتزايد لمجال ما بعد الإنسان أمرًا لا غنى عنه لاكتساب مثل هذا الفهم، على الرغم من أننا قد نكون قادرين أيضًا على التعلم من تجارب بعضنا البعض ومن أعمال الخيال. بالإضافة إلى ذلك، قد نفضل أن يكون الأشخاص المستقبليون من بعد البشر بدلاً من البشر، إذا كانت كائنات ما بعد الإنسانية ستعيش حياة أكثر جدارة من البشر البديلين. وأي أسباب نابعة من مثل هذه الاعتبارات لن تتوقف على افتراض أننا يمكن أن نصبح كائنات بعد إنسانية([lxv]).
لأن فكرة تحسين الإنسان في عقول المفكرين من زمان طويل، عالجها أفلاطون ونيتشه وغالتون، وهي في جوهرها تعني ببساطة أن هنالك بشرا أفضل من بشر، أفضل منهم وراثيا، وأنه من الممكن أن نصل إلى “السوبرمان”، الإنسان “الأكمل” – والكمال لله وحده .
في أوائل القرن الماضي انتشرت هذه الفكرة، نشرها فرانسیس غالتون، وذاعت حتى إعتنقها عدد لا يصدق من كبار المفكرين والعلماء والأدباء والساسة. عمت هذه “الثورة” اليوجينية بدعوي تحسين حياة البشر بالقضاء على الفقر والمرض، ثم انتهت مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وكانت، لو استمرت، ستؤذن مبكرة بنهاية الإنسان. كانت “ثورة” اختلط فيها الجهل بالتعصب بالحماقة، ثم بالوحشية. لم يكن العلماء يعرفون أنهم يجهلون، وظنوا أنهم إنما يعملون لخير البشر والبشرية([lxvi]).
تعزز ما بعد الإنسانية السعي إلى مزيد من التطور حتى نتمكن من استكشاف عوالم القيمة التي لا يمكن الوصول إليها حتى الآن. والتحسين التكنولوجي للكائنات البشرية وسيلة ينبغي أن نسعى إلى تحقيقها. هناك حدود لمقدار ما يمكن تحقيقه من خلال وسائل التكنولوجيا المنخفضة مثل التعليم والتأمل الفلسفي والتدقيق الذاتي الأخلاقي وغيرها من الأساليب التي اقترحها الفلاسفة الكلاسيكيون ذوو الميول الكمالية، بما في ذلك أفلاطون وأرسطو ونيتشه، أو عن طريق إنشاء مجتمع أكثر عدلاً وأفضل، كما تصوره الإصلاحيون الاجتماعيون مثل ماركس، هذا ليس لتشويه سمعة ما يمكننا فعله بالأدوات التي لدينا اليوم. لكن في النهاية، يأمل أنصار ما بعد الإنسانية في المضي قدمًا([lxvii]).
لكن الهندسة الوراثية البشرية تعد بأكثر من مجرد يوجينيا بسيطة نزيد فيها من نسل “الأفضل” ونقلل من نسل “الأسوأ” – ولو حتى بقتله ! إنها تنفذ إلى داخل المادة الوراثية للفرد، تغير فيها وتبدل لتكون نتائجها فورية. إنها قضية يوجينيا جديدة سُلحت بعلم حديث متقدم.
لكن أي صفات تلك التي سنحاول تغييرها لنصل إلى هذا الإنسان الجديد الذی يخشی فوکویاما أن يقضي علينا؟([lxviii]).
الذكاء الذي يمكن من التعامل مع البيئة الجديدة التي صنعها ويصنعها التقدم العلمي المعلوماتي والبيوتكنولوجي . والذكاء صفة غاية في التعقيد، يصعب . حتى تعريفها، وترتبط بالمخ ذلك الجهاز المعقد الذي تعمل به نصف جينات الإنسان على الأقل. وهي بالضرورة صفة متعددة الجينات، تؤثر فيها آلاف الجينات. يعالج علماء الوراثة قضية وراثة صفة كهذه بمقياس إحصائی یسمي “العمق الوراثی” ، وهذا على ما يبدو مفهوم مراوغ لدى غير المتخصصين : هو ببساطة النسبة من التباين المظهري للصفة الكمية، التي ترجع إلى التباين في القيم الوراثية بين أفراد العشيرة. هو مقياس يختص بعشيرة بذاتها في بيئة معينة في زمن محدد. ولقد أساء كثير من غير الوراثيين تفهم هذا المقياس، وربما کان موراني، وهيرنشتاين هما أسوأ من تفهموه في كتابهما الشهير “منحنی الجرس”، فأخذا متوسط تقديرات مختلفة للعمق الوراثي للذكاء، قيست بطرق مختلفة بعشائر مختلفة في أزمان مختلفة، وقالا إنه 60%، ليؤكدا فكرتهما المسبقة بأن الفروق في “الذكاء بين البيض والسود فروق وراثية”، ومن ثم فهی “ثابتة”. أقاما كتابهما الضخم على هذه الفكرة الخاطئة، ونسيا أن ارتفاع قيمة العمق الوراثي إلى هذا الحد إنما تعني أن الصفة لابد أن تكون هامشية، فكلما ازدادت أهمية الصفة لبقاء الكائن الحي، انخفض إسهام العوامل الوراثية في التباين بين الأفراد ( هي في صفات الخصب مثلا نحو 1-2%). فإذا ما كان الذكاء صفة مهمة لبقاء الفرد كما يدعيان لتعزيز نظرتهما العنصرية، فكيف تكون له هذه القيمة المرتفعة (60%)؟([lxix])
الواضح أن فوکویاما لم يستوعب هو الآخر هذا المفهوم، فبعد أن افترض أن العمق الوراثي لمعامل الذكاء هو 50% ( وهو للغرابة يعتبره منخفضا !!) نجده يقول : “الغذاء الأفضل والتعليم الأفضل والبيئة المأمونة والموارد الاقتصادية، كلها يمكن أن تسهم في رفع الخمسين بالمائة من معامل ذكاء الطفل الراجعة إلى البيئة”. هذه الجملة لا تعني إلا شيئا واحدا، وهو أنه لا يعرف معنى ما يقوله!
كيف للعلماء إذن أن يعثروا على كل هذا العدد الهائل من الجينات الذي يؤثر في معامل الذكاء، ويحددون هويتها ومواقعها ، ثم يجرون الجراحة الوراثية لنقله إلى جينوم هذا الإنسان «السوبر»؟ إن هذا ضرب من ضروب الخيال لن يتحقق يوما. أبدا لن يستطيع العلم أن يحور مادة الإنسان الوراثية بحيث يحوله إلى هذا الذكي الفائق الذي يخشي فوکوياما أن تكون على يديه “نهاية الإنسان”!([lxx]).
تتوقع التطورات الفائقة في مجال العلوم الجينية وتقنيات الإنجاب إيجاد “أطفال مصممين خصيصًا” بإدخال جينات معدلة وراثيا في الجنين الإنساني. ويتدخل في هذه العملية علمان آخران: علم اليوجينا وهو – كما سبقت الإشارة – علم يعني بتحسين النسل وتحسين البناء البيولوجي للإنسان باختيار أفضل الصفات وتصحيح الجينات التي تحمل عيوباً وراثية؛ وهو العلم الذي يدرس التغيرات الناجمة عن إدخال التعديلات الجينية على مستوى الوظائف الحيوية. ويدرج ضمن علم اليوجينا “علم آخر هو علم التخلق السلوكي (Behavioral Epigenetics) والذي يدرس تأثير علم التخلق على العمليات السيكولوجية مثل الانفعالات الشعورية، الذاكرة، والتعلم، الصحة العقلية والسلوك، لأن الأمر لا يتعلق بطول الحياة فقط، بل بجودتها كذلك”([lxxi]).
لاشك في أن إجراء عمليات التعديل الوراثي يفتح المجال لإمكان اختيار صفات الجنين المرغوب فيها قبل تشكله. وهو ما يعرف بهندسة الأطفال وفق معايير ذكائية أو جمالية أو طباعية محددة. ويمكن في هذا الإطار الإشارة إلى إمكان استخدام تقنية الإخصاب المختبري التي تمكن المتزوجين من صنع أجنة مخصبة عدة داخل أنابيب الاختبار لاختيار الجنين الخالي من المرض الوراثي. وعلى هذا الأساس، سوف تصبح “فكرة تصميم أطفال” حسب المواصفات حقيقة واقعة. وبحسب ما قال عالم الأحياء في جامعة هارفارد إي أوه ويلسون، فإن “الإنسان أول نوع يتمتع بحريته بحق، صار على وشك التخلي عن عملية الانتخاب الطبيعي وهي القوة التي صنعتنا، فسرعان ما سيكون علينا أن ننتظر بعمق في أنفسنا، وأن نقرر ما نتمنى أن نصير عليه”([lxxii]). والمعنى من هذا أن الاكتشافات الطبية ستحقق نجاحات باهرة في عملية زراعة الجينات، من قبيل “الجين المتحكم في الذكاء”، أو “الجين المتحكم في قوة العضلات”. وسيتمكن العلماء “من عزل وتغيير عديد من الجينات المنفردة التي تتحكم في “سمات إنسانية متنوعة“([lxxiii]). واللافت أيضا، أن البحوث العلمية في مجال دراسة علوم الحياة، أثبتت أن “الجينات” تؤدي دورا كبيرا في تحديد الصفات النفسية والسلوكية للإنسان. فهي مفتاح الطبيعة البشرية والحاملة برامج العمل الحقيقية لحياة الإنسان وسلوكاته النفسية والفيزيولوجية. وعلى هذا المنوال، كتب عالم البيولوجيا الجزيئية روبرت واینبرج (Robert Allan Weinberg): “في غضون العقد القادم” – وقت كتابة هذه السطور – قد نبدأ في العثور على جينات تحدد بشكل مدهش المعرفة والشعور وغير هذين من نواحي الأداء الإنساني والمظهر. وإنكار هذا لن يكون إلا من قبيل دفن الرؤوس في الرمال([lxxiv]).
يرجع تاريخ الهندسة الجينية إلى مطلع السبعينات، وذلك عندما اكتشف كل من بول برج Paul Berg، وهربرت بویر Herbert Boyer، وستانلى کوهین Stanley Cohen تقانة الدنا المأشوب. إذ يمكن نقل جين من كائن حي بعيد جدا تصنيفيا (من الإشريكية القولونية مثلا) إلى كائن حي آخر (الفأر على سبيل المثال)، وتجاوز كل الحواجز الطبيعية، ليس بين الأنواع Species، والأجناس genus، والفصائل families، والرتب orders ، والصفوف class فحسب، بل حتى بين الشعب phyla . كما أمكن تكثير الجين المأشوب (أو تنسيله cloning) عدداً كبيراً من المرات بغرزه في البكتيريا، أو في أي جملة حية أخرى. وتتضمن الهندسة الجينية أساساً (وتبسيطا للواقع) قطع تسلسل (أو شدفة) من الدنا بأحد الإنزيمات، وغرزه (بسبب بنية حلزون DNA، وتتامية قواعده) في جزيء آخر من الدنا، أزيل منه تسلسل مقابل بالإنزيم نفسه. وإذا كان التسلسل المأشوب (المفروز) أقصر من التسلسل الذي أزيل، تتمم النكليوتيدات الناقصة بوساطة إنزيم يضيف نكليوتيد الثيمين مثلا. ثم يقوم إنزيم الليفاز بربط النكليوتيدين الطرفيين المتجاورين برابطة تكافؤية([lxxv]).
ما إن تم اكتشاف تقنية الدنا المأشوب ( الهندسة الجينية)، واتضح أنها قادرة على تسهيل سلسلة شدف معينة (جينات بعينها) من الدنا، وأن بإمكانها تيسير الحصول على مواد دوائية نادرة. وباهظة الثمن (كالانترفرون، والأنسولين البشري، وهرمون النمو، والعامل المضاد للتريسين ألفا، والعامل IX المضاد لتخثر الدم)، وبكميات كبيرة جدا (تفوق حدود التصور، إذ تزيد ملايين المرات على تراكيزها الطبيعية)، ما إن اتضح ذلك حتى تشكلت، وبسرعة كبيرة، عشرات، لا بل مئات، الشركات الصيدلانية، التي لم تكن غايتها الأولى تخفيف آلام المرضي، وإدخال السعادة إلى نفوسهم. لقد كان همها الأول، وقبل أي شيء آخر، الربح السريع. فالبيولوجيون الجزيئيون الذين كانوا يعرفون بدخولهم المحدودة، أصبحوا يملكون في أسواق الأوراق المالية ملايين، بل مليارات الدولارات. وكان ذلك أحيانا على حساب إنسانية الإنسان، وسلامة بيئته. وصحيح أن تقنيات الهندسة الجينية كانت وراء تسريع العمل في مشروع الجينوم البشري، أي وضع الخرائط الأربع الوراثية، والفيزيائية والكيميائية الحيوية، والفيزيويولوجية، وصحيح أيضا أنها سهلت (بمساعدة تقنية التفاعل السلسلي للبوليميرازPCR) polymerase chain reaction)، الذي يمكن بوساطته تضخيم جين من الجينات مليارات مليارات المرات في أثناء ساعات قليلة(، وصحيح كذلك أنها يسرت سلسلة جينوم عدد من الكائنات الحية (كالخميرة Sacchromyces cervecia، والمستدمية النزلية Haemophilus influnzae) ()، المسببة لالتهاب السحايا والصمم، والبكتيريا المسؤولة في معظم الأحيان عن القرحة Helicobacter، وريكتسية برووازيكيRickettsia Prowazekii المسببة للتيفوس، المرض الرهيب الذي كان قديماً السبب في سقوط مدن بكاملها، وفي هزيمة أكثر من جيش «وفي أذن الجوزاء منه زمازم»، وصحيح كذلك أن تقنية الدنا المأشوب ساعدت مؤخرا على إنجاز مشروع سلسلة جينوم ذبابة الفواكه Drosophila melangaster، ولكن صحيح أيضا أن إنجاز هذه المشاريع الضخمة، والتي كلفت مليارات الدولارات، لم يكن بمنأى عن رائحة الربح الكبير والسريع. وبديهي أن تتفرع عن تقنية الدنا المأشوب ( الهندسة الجينية) تقنيات جديدة، كاللقاحات الجينية genetic vaccines ، والمعالجة الجينية gene therapy . إن أخطر ما يمكن أن تتمخض عنه تقنية الهندسة الجينية، هو تكوين كائنات محورة جينيا genetically modified organisms أو ما يطلق عليها transgenic organisms([lxxvi]).
نشأت فكرة المعالجة الجينية gene therapy، كنتيجة طبيعية للنجاح الذي شهدته تجارب الهندسة الجينية، أو تقانة DNA المأشوب recombinant DNA technology في أواسط سبعينيات القرن الماضي. وابتكر تعبير “الهندسة الجينية” genetic engneering، (وليس الهندسة الوراثية، تعبير شائع خاطئ)، و«مهندس جينيا» genetically engneered، من هندسة تسلسل الجينات وفق الحاجة، كما يضع المهندس مخطط بناء ما. لقد أثار هذا النجاح المدهش حماس الباحثين من أطباء وبيولوجيين جزئيين، وقدح مخيلتهم، وتفكروا أنه إذا كان بالإمكان نقل جين من إشريكية قولونية إلى أخرى، فلماذا لا نصلح جينا معيبا، يسبب مرضاً وراثياً، استعصى بطبيعته على كل علاج تقريباً؟ ولماذا لا نحور جينيا كائنات حيوانية أو نباتية لمنافع دوائية، أو غذائية، أو غير ذلك([lxxvii]).
تجاوزت الاختراعات الطبية حدود العلاج الجيني إلى إمكانات استخدام تكنولوجيا النسل” التي تعمل على تحسين السلالة البشرية (أو “اليوجينا”)، من خلال انتقاء صفات مرغوب فيها (اليوجينا الإيجابي) مثل الذكاء والجمال والطول واللون. ويكون ذلك عبر استخدام الجينات الجيدة السليمة ومنع تناسل أولئك الذين يملكون الصفات غير المرغوب فيها (اليوجينا السلبي). ويشجع هذا الاختيار الطبي علی توسيع دائرة الإنجاب الاصطناعي الواعي والحصول على سلالات مواصفات وراثية بحسب الطلب، أو ما يعرف بــ “أطفال الكاتالوجات” (Designer Babies). ويعمل الباحثون في هذا المجال على “تغيير صفات الكائن البشري تجريبياً، من خلال تغييرات فيسيولوجية ووراثية، وباستعاضة بعض أجزائه بالآلات، مما يعني نهاية الإنسان كإنسان، وخلق فصيلة جديدة من قبله هو بالذات”([lxxviii]).
لابد في هذا السياق من التأكيد على أن تطبيق هذه التقنيات المتحكمة في صناعة سلالة وفق مواصفات معينة، ضاعف مخاوف العلماء والباحثين من بزوغ مفاهيم تتعلق “بالعنصرية العلمية” التي تشجع على نشر أفكار عنصرية، وتهيئ لاندلاع حروب عرقية تنتهي بارتكاب جرائم إنسانية بشعة، وتتسبب في الإبادة الجماعية ونزع الحقوق الاجتماعية والسياسية، والاعتداء على الحريات الشخصية. وتعود مخاوف الرأي العام إلى تطويع التكنولوجيا المتطورة للسيطرة على العالم، وتحقيق أهداف غير إنسانية بتكوين جرثومة وبائية تقضي على البشرية كلها، أو بخلق سلالة جديدة من البشر، لأن تجارب البيولوجيا عموما، والهندسة الوراثية على وجه الخصوص، “قد تصل إلى هندسة الإنسان نفسه، بمعنى أن تسيطر عليه وعلى سلوكه وتحوله إلى أداة يمكن التحكم بها واستخدامها، مما يعني أنه لم يعد آمنا على نفسه أو على أبنائه، أو حتى على كبار السن في المؤسسات والمستشفيات، لأن الكل عرضة للتجارب”([lxxix]).
لم تحظ معظم تقنيات التحسين البشري المحتملة حتى الآن باهتمام كبير في الكتابات الأخلاقية. أحد الاستثناءات هو الهندسة الوراثية، التي نوقشت أخلاقياتها على نطاق واسع في السنوات الأخيرة. لتوضيح كيف يمكن تطبيق نهج ما بعد الإنسانية على تكنولوجيات معينة، سننتقل الآن إلى النظر في حالة التحسينات الجينية للخط المشيجى البشري([lxxx]).
بعض أنواع الاعتراض ضد تعديلات الخط المشيجى لا تمنح وزنا كبيرا من قبل محاور ما بعد الإنسانية. على سبيل المثال، الاعتراضات التي تستند إلى فكرة أن هناك شيئًا خاطئًا بطبيعته أو مشبوهًا أخلاقيًا في استخدام العلم للتلاعب بالطبيعة البشرية يعتبرها مؤيدو ما بعد الإنسانية خاطئة. علاوة على ذلك، يؤكد علماء ما بعد الإنسانية أن المخاوف الخاصة بشأن الجوانب السلبية للتحسينات الجينية، حتى عندما تكون هذه المخاوف مشروعة، يجب الحكم عليها مقابل الفوائد الهائلة المحتملة التي يمكن أن تأتي من التكنولوجيا الجينية التي تم توظيفها بنجاح. إن القدرة على اختيار جينات أطفالنا وإنشاء ما يسمى بالأطفال المصممين ستؤدي ، كما يُزعَم ، إلى الآباء الفاسدين ، الذين سيأتون لرؤية أطفالهم على أنهم مجرد منتجات. وسنبدأ بعد ذلك في تقييم ذريتنا وفقًا لمعايير مراقبة الجودة، وهذا سيقوض المثل الأعلى الأخلاقي المتمثل في القبول غير المشروط للأطفال، بغض النظر عن قدراتهم وسماتهم. هل نحن مستعدون حقًا للتضحية على مذبح النزعة الاستهلاكية حتى تلك القيم العميقة التي تتجسد في العلاقات التقليدية بين الطفل والآباء؟ هل السعي وراء الكمال يستحق هذه التكلفة الثقافية والأخلاقية؟ يجب ألا يتجاهل مؤيد ما بعد الإنسانية مثل هذه المخاوف بوصفها غير ذات صلة. يدرك دعاة ما بعد الإنسانية أن النتيجة المتوقعة ستكون سيئة. لا نريد أن يحب الآباء أطفالهم ويحترمونهم أقل. لا نريد أن يزداد التحيز الاجتماعي ضد الأشخاص ذوي الإعاقة سوءًا. من المحتمل أن تكون الآثار النفسية والثقافية لتسليع الطبيعة البشرية مهمة([lxxxi]).
قد نتكهن بأن تحسينات الخط المشيجىستؤدي إلى مزيد من الحب والتفاني الأبوي. قد تجد بعض الأمهات والآباء أنه من الأسهل أن تحب طفلًا، بفضل التحسينات، مشرق وجميل وصحي وسعيد. قد تؤدي ممارسة تعزيز الخطوط المشيجية إلى علاج أفضل للأشخاص ذوي الإعاقة، لأن إزالة الغموض العام للإسهامات الجينية في السمات البشرية يمكن أن يجعل من الواضح أن الأشخاص ذوي الإعاقة ليسوا مسؤولين عن إعاقاتهم وأن انخفاض حدوث بعض الإعاقات يمكن أن يؤدي إلى توفير المزيد من المساعدة لبقية الأشخاص المتضررين لتمكينهم من العيش حياة كاملة وغير مقيدة خلال مختلف أشكال الدعم التكنولوجي والاجتماعي. وبالتالي، فإن التكهن بالآثار النفسية أو الثقافية المحتملة لهندسة الخطوط المشيجية يمكن أن يقطع كلا الاتجاهين. العواقب الإيجابية لا تقل إمكانية عن العواقب السلبية. ونظرا لعدم وجود حجج سليمة للرأي القائل بأن النتائج السلبية ستكون لها الغلبة، فإن هذه التكهنات لا تقدم أي سبب ضد المضي قدما في التكنولوجيا([lxxxii]).
قد تؤدي عمليات الاجترار Ruminations حول الآثار الجانبية الافتراضية إلى جعلنا على دراية بالأشياء التي يمكن أن تحدث بشكل خاطئ حتى نتمكن من البحث عن التطورات غير المرغوب فيها. وبإدراكنا للمخاطر مسبقا، سنكون في وضع أفضل لاتخاذ تدابير وقائية مضادة. على سبيل المثال، إذا اعتقدنا أن بعض الناس قد يفشلون في إدراك أن الاستنساخ البشري سيكوّن شخصًا فريدًا يستحق القدر نفسه من الاحترام والكرامة مثل أي إنسان آخر، فيمكننا أن نعمل بجد لتثقيف الجمهور حول عدم كفاية الحتمية الجينية. يمكن أن تضيف الإسهامات النظرية للمنتقدين المطلعين والعقلانيين لتعزيز الخطوط المشيجية بشكل غير مباشر إلى تبريرنا للمضي قدمًا في هندسة الخطوط المشيجية. بقدر ما يقوم النقاد بعملهم، يمكنهم تنبيهنا إلى عديد من العواقب غير المرغوب فيها لهندسة الخطوط المشيجية والإسهام في قدرتنا على اتخاذ الاحتياطات، وبالتالي تحسين احتمالات أن يكون توازن الآثار إيجابيًا. قد تكون هناك بعض العواقب السلبية لهندسة الخطوط المشيجية البشرية التي لن نستبعدها، على الرغم من أن مجرد وجود آثار سلبية بالطبع ليس سببًا حاسمًا لعدم المضي قدمًا. كل تقنية رئيسة لها بعض العواقب السلبية. ولا يمكن التوصل إلى أي استنتاج يستند إلى تحليل للتكلفة والفوائد إلا بعد إجراء مقارنة عادلة بين المخاطر والعواقب الإيجابية المحتملة([lxxxiii]). إذن يواجه أنصار مرحلة تجاوز الإنسان عديد من المخاوف المتعلقة بالهندسة الوراثية و تحسين الجينات .وأتصور أن هذه المخاوف التي أشرنا إليها كافية لفت نظر أصحاب هذه الدعوة، إما بالتأمل الدقيق من أجل التخلص من هذه العيوب وإما أخد الوقت الكافي حتي يمكن تطوير هذه التكنولوجية حتي تصبح مصدر للأمان البشري وليس احد الوسائل التي تهدد بقاءه خلال العنصرية بين الافراد.
التحسين الجيني بوصفه انتخاباً اصطناعياً:
يبدو أن فكرة الصراع من أجل البقاء باتت تحمل دلالة جديدة، لأن الانتخاب أصبح لا ينتظر الطبيعة البشرية أن تتطور تلقائيا بعد أن أضحت إلى حد ما تحت سطوة العلم، وهنا يكمن الفرق بين الانتخاب الطبيعي والاصطناعي، لأن ما يطلق عليه وصف (طبيعي) كان نتيجة لتقنيات تقليدية أصبحت بمرور الوقت مألوفة، إلا أن ما هو غير مألوف الانتخاب الاصطناعي الذي يتم بتقنية التحسين الجيني الذي يعرف بأنه “تحسين مجموعة متنوعة من الجينات المرغوبة، بما في ذلك القدرة المعرفية، إذ تستخدم الهندسة الوراثية لإزالة الجينات أو إدخالها في الجنين المبكر، في بعض الحالات، قد يكون من غير الواضح ما إذا كانت النتيجة هي فرد جديد أو الفرد نفسه مع تحسين وراثي”([lxxxiv]). وهذا النوع من التحسين في الجينوم يمثل تحديا فلسفياً للقيم الإنسانية العميقة، إلا أن له فوائده التي تتمثل بالتحرر من الأمراض الوراثية، وامتلاك عقل يمكنه التعلم بسرعة أكبر أو التمتع بنظام مناعة أقوى، ومثل هذه المزايا تستحق أن تأخذ هذه الآمال على محمل الجد.
أما اذا لم يتم اللجوء إلى التحسين الجيني فإن بوستروم يضع افتراض أخر وهو الاختيار بين أمرين:
السماح للبشر الحاليين بالاستمرار في الوجود.
قتلهم ومن دون وخز ضمير واستبدالهم بستة مليارات إنسان جديد متشابهين جداً، ولكن غير متطابقين للأشخاص الموجودين اليوم، إلا أن مثل هذا الاستبدال يجب أن يقاوم بشدة على أسس أخلاقية، حيث سيترتب عليه الموت غير الطوعي لستة مليارات شخص، لذلك من المهم أن تصبح الفرصة بعد الإنسان متاحة لأكبر عدد ممكن من الناس، بدلا من مجرد استكمال السكان الحاليين أو استبدالهم بسلالة جديدة من ما بعد الانسان، لأن المثل الأعلى لما بعد الإنسانية يتحقق بتقاسم فوائد التقنيات على نطاق واسع([lxxxv]).
لكن الخيارين السابقين الذكر لا يميل إليهما بوستروم، بل يميل إلى خيار ثالث يتناسب مع مشروعه الفكري وهو التحسين الجيني، وعادة ما تكون بداية التحسين من البيئة التي ينشأ بها الجنين، فالبيئات المخصبة طرق بسيطة ومقبولة على أوسع نطاق يمكن القول أن بيئة الرحم لن تساعد على تجنب أمراض محددة فقط. إنما من المحتمل أن تحسن نمو الأجهزة بطرق تحسن قدراتها الأساسية([lxxxvi]).
ويعتقد أن هناك اختلافاً في عمليات التحسين الجيني، فأما يتم استخدام التشخيص الوراثي قبل عملية الزرع للاختيار بين الأجنة، التي تحدد اختياراتنا أياً من الأشخاص المحتملين سيظهر إلى الوجود، أو يتم التدخل جينياً بالجنين، إذ تؤثر تدخلاتنا على نوع الشخص الذي سيتطور إليه هذا الجنين والقدرات التي سيمتلكها.
ومن منطلق مبدأ المنفعة الانجابية ومفاده إذا عرض على الآباء الذين سيحصلون على أطفال الأنابيب التشخيص الوراثي قبل الزرع لفحص أجنتهم المتعددة لمعرفة الاستعدادات الوراثية للمرض والحالات غير المرضية ملزمون أخلاقياً باختيار الطفل الذي يمكن توقعه للحصول على أفضل حياة، على سبيل المثال، إذا كان لديهم خيار زرع واحد من اثنين من الأجنة المتماثلة وراثيا باستثناء أن أحدهما مهيا وراثيا للذكاء العالي، فإن الوالدين ملزمون أخلاقية باختيار هذا الجنين على الآخر، حيث من المرجح أن يتمتع الطفل الأكثر ذكاء بحياة أفضل من الطفل الأقل ذكاءه([lxxxvii]).
حيث أن المدافعين عن ما يسمى بـ “علم تحسين النسل الليبرالي” الذي ينص على السماح للآباء باتخاذ هذه الخيارات بأنفسهم وأن حرية الإنجاب يجب حمايتها، ويجب على الدولة دعم التحسينات للآباء الذين لا يستطيعون تحمل تكاليفها، دون التعدي على الحرية الإنجابية.
إن هذه البنود كانت على أثر برامج تحسين النسل التي كانت ترعاها الدول في القرن الماضي مرفوضة لأنها أضرت بالناس إما بقتلهم أو عن طريق تقييد حريتهم في الإنجاب، لذلك يجب أن لا يكون علم تحسين النسل قسريا أو استغلاليا: في قبرص، هناك برنامج غير قسري ترعاه الدولة للقضاء على الثلاسيميا منذ أكثر من عشرين عاما، ويحظى بدعم واسع من القبارصة، يخضع الآباء المحتملون لفحص جين المرض، لكنهم أحرار في التكاثر إذا رغبوا في ذلك والإجهاض الممول من الدولة متاح إذا أظهر اختبار ما قبل الولادة أن الجنين يميل للإصابة بالمرض([lxxxviii]).
في حالة تحسينات الخطوط المشيجية، تكون المكاسب المحتملة هائلة. ومع ذلك، نادرًا ما تتم مناقشة المكاسب المحتملة، ربما لأنها واضحة جدًا بحيث لا تكون ذات أهمية نظرية كبيرة. على النقيض من ذلك، فإن الكشف عن الطرق الدقيقة وغير التافهة التي يمكن أن يؤدي بها التلاعب بالجينوم لدينا إلى تقويض القيم العميقة هو من الناحية الفلسفية أكثر صعوبة.
لكن إذا فكرنا في الأمر، فإننا ندرك أن الوعد بالتحسينات الجينية ليس بالأمر الهين. سيكون التحرر من الأمراض الوراثية الشديدة أمرًا جيدًا، وكذلك امتلاك عقل يمكنه التعلم بسرعة أكبر، أو امتلاك جهاز مناعة أكثر قوة. قد يتمكن الأشخاص الأكثر صحة وذكاء وسعادة من الوصول إلى مستويات جديدة ثقافيًا. إن تحقيق تعزيز كبير للقدرات البشرية يعني الشروع في الرحلة العابرة للبشر لاستكشاف بعض أساليب الوجود التي لا يمكن لنا الوصول إليها كما تم تشكيلنا حاليًا، ربما لاكتشاف وإثبات قيم جديدة مهمة. على المستوى الأساسي، تمتلك الهندسة الوراثية إمكانات كبيرة لتخفيف المعاناة البشرية غير الضرورية. إن كل يوم يتأخر فيه إدخال التحسين الوراثي البشري الفاعل هو يوم ضياع الإمكانات الفردية والثقافية، ويوم عذاب لعديد من المصابين بأمراض كان من الممكن الوقاية منها. يخلص دعاة ما بعد الإنسانية إلى أن التحدي لم يتم مواجهته([lxxxix]). إلا أن التحسين الجيني سيقضي تماما علي مفهوم الانتخاب الطبيعي ويصبح من الممكن اختيار كل الصفات الجيدة والرفض للصفات السلبية وهذا يمثل خللا في التكوين الداخلي للوجود الإنساني لأن بعض الصفات الايجابية تنمو خلال وجود الفكرة المضادة لها كيف يكون الحال في عدم وجود ذلك المضاد؟ وهل سيدرك البشر غياب هذه الصفات حتي لو كانت أمراضا؟ إما أن معرفة الإنسان في تلك الفترة ستكون قائمة علي عدم أدراك الماضي بكل ما كان فيه.
هل ينبغي تنظيم التكاثر البشري؟
تتمثل إحدى طرق المضي قدمًا في الهندسة الوراثية في السماح بكل شيء، وترك جميع الخيارات للآباء. في حين أن هذا الموقف قد يكون متسقًا مع ما بعد الإنسانية، إلا أنه ليس أفضل نهج لها. الشيء الوحيد الذي يمكن قوله عن تبني موقف تحرري فيما يتعلق بالتكاثر البشري هو السجل الحافل للمحاولات المخطط لها اجتماعيًا لتحسين تجمع الجينات البشرية. تتراوح قائمة الأمثلة التاريخية لتدخل الدولة في هذا المجال من أهوال الإبادة الجماعية للنظام النازي، إلى برامج التعقيم شبه القسرية الأكثر اعتدالًا ولكن لا تزال مشينة للأفراد المعاقين عقليًا التي يفضلها العديد من الاشتراكيين ذوي النوايا الحسنة في القرن الماضي، إلى البرنامج المثير للجدل ولكن ربما المفهوم للحكومة الصينية الحالية للحد من النمو السكاني. في كل حالة، تتدخل سياسات الدولة في الخيارات الإنجابية للأفراد. إذا تُرك الآباء لاتخاذ الخيارات بأنفسهم، فلن تحدث أسوأ التجاوزات لحركة تحسين النسل. مع وضع ذلك في الاعتبار، يجب أن نفكر مرتين قبل تقديم دعمنا لأي اقتراح من شأنه أن يجعل الدولة تنظم نوع الأطفال المسموح لهم بإنجابهم والطرق التي يمكن استخدامها لإنجابهم([xc]).
لقد بدأت مخاطر اليوجينيا السلبية أو علم تحسين النسل السلبى تتضح مع أواخر عشرينيات القرن العشرين، وعلى وجه الخصوص “حينما تم تمرير قوانين التعقيم اليوجيني، فقد نسب عديد من القوانين اليوجينية، وأعلن عن دستوريتها في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1927م في حكم المحكمة العليا في قضية “باك ضد بيل” عندما أعلن القاضی “اوليفر وينديب هولمز” أن من رأيه “أن ثلاثة أجبال من البلهاء تكفي”([xci]).
نحن نسمح حاليًا للحكومات بأن يكون لها دور في الإنجاب وتربية الأطفال، وقد نتسبب بالتبعية في أنه سيكون هناك أيضًا دور في تنظيم تطبيق تكنولوجيا الإنجاب الجينية. وتضطلع الوكالات الحكومية والهيئات التنظيمية بدور داعم وإشرافي في محاولة لتعزيز مصالح الطفل. وتتدخل المحاكم في قضايا إساءة معاملة الأطفال أو إهمالهم. وتوجد بعض السياسات الاجتماعية لدعم الأطفال المنحدرين من خلفيات محرومة ولتخفيف بعض أسوأ أوجه عدم المساواة التي يعاني منها الأطفال الذين يعيشون في منازل فقيرة، مثل توفير التعليم المجاني. ولهذه التدابير نظائر تنطبق على تكنولوجيات التحسين الوراثي. على سبيل المثال، يجب أن نحظر التعديلات الجينية التي تهدف إلى إلحاق الضرر بالطفل أو الحد من فرصه في الحياة، أو التي يُعتقد أنها محفوفة بالمخاطر للغاية. إذا كانت هناك تحسينات أساسية ستكون مفيدة للطفل ولكن بعض الآباء لا يستطيعون تحملها، فعلينا أن نفكر في دعم تلك التحسينات، تمامًا كما نفعل مع التعليم الأساسي. هناك أسباب للاعتقاد بأن النهج التحرري أقل ملاءمة في مجال التكاثر مما هو عليه في أماكن أخرى. وفي مجال الإنجاب، فإن أهم المصالح المطروحة هي مصالح الطفل، الذي لا يستطيع إعطاء موافقته المسبقة أو الدخول بحرية في أي شكل من أشكال العقود. كما هو الحال، فإننا نوافق حاليًا على عديد من الإجراءات التي تحد من حريات الوالدين. لدينا قوانين ضد إساءة معاملة الأطفال وإهمال الأطفال. لدينا تعليم إلزامي. في بعض الحالات، يمكننا فرض العلاج الطبي المطلوب على الطفل، حتى ضد رغبات والديه([xcii]).
يستمر الاهتمام الاجتماعي المعاصر الذي انبثق عن تكنولوجيا التناسل كموضوع أو كمحور رئيس في تاريخ الإنسان، ففيما يتعلق بأمور العلاقات الجنسية والتناسل لم يسبق للجنس البشري أن رضي بترك الطبيعة في مسارها دون تدخل منه ، أما عن كل الأعمال المتعلقة بالخصوبة، والتي تسهم في استمرارية المجتمع وعضويته طوال عصور التاريخ المسجل، فكانت تعد عند القبيلة والقرية والدولة والكنيسة أمورة غاية في الأهمية والقوة، تمتاز بأنها شديدة القابلية للاستقلالية والخروج على العرف لدرجة لا يمكن معها تركها تحيا دون تحكم أو حدود، وفي بعض الأحيان، كما هو الحال في القرن العشرين، كانت الحدود التي تقام حولها بصفة رسمية مفروضة من جانب الحكومات المحلية والوطنية، أما الحدود الثقافية فقد كانت بنائية كما في مراسم وشعائر المجتمعات التقليدية التي تتناقلها الأجيال، وربما كانت نوعية ومقننة مثل التعليمات التي يعلنها بعض المتحدثين المعنيين باسم الأديان أو نيابة عن الكنيسة كما فرضت حدود أيضا من جانب الذكور أو الرجال الذين كانت مكانتهم الشخصية أو أوضاعهم الاقتصادية مرتبطة بملكيتهم لنساء ولودات وإنجاب عدد كبير من الأبناء، وكانت هناك بعض محاولات للتنظيم عن طريق الحد من الجماع (أو الممارسة الجنسية التي تهدف إلى إنجاب الأطفال، ومنع استخدام وسائل منع الحمل، أو إنهاء الحمل بإجراء عمليات الإجهاض، وفي ظل هذه الظروف كان على المرأة أن تدافع عن نفسها ضد أخطار وأعباء الحمل المتكرر بكثرة من جهة، وضد عدم الخصوبة وما يترتب عليها من هجر الزوج لها من جهة أخرى، وفي المناطق غير الصناعية، دافعت المرأة عن نفسها باللجوء إلى وسائل تنظيم النسل باستخدام المواد المحلية أو الأساليب التقليدية، التي كانت مجهضة ومانعة للحمل مما لم يكن لها في بعض الأحيان نتائج مؤكدة، كما كن يلجأن إلى استشارة المعالجين الشعبيين أو الشامانيين، وكذلك بقتل المواليد وهجر الأطفال، ولكي تحمي المرأة حياتها وصحتها كان لابد لها في بعض الأحيان من أن تخفي وتكتم استعمالها لوسائل تنظيم النسل عن أقرانها وعن الرجال ذوي النفوذ في الأسرة([xciii]).
هل تدخلات الخط المشيجى خاطئة لأنها لا رجعة فيها؟
هناك اعتراض آخر كثيرًا ما يُسمع ضد الهندسة الوراثية للخط المشيجى وهو أنها ستكون خطرة بشكل فريد لأن التغييرات التي ستحدثها لا رجعة فيها وستؤثر على جميع الأجيال القادمة. سيكون من غير المسؤول والمتعجرف للغاية منا أن نفترض أن لدينا الحكمة لاتخاذ قرارات بشأن ما يجب أن يكوّن الدساتير الجينية للأشخاص الذين يعيشون أجيالًا عديدة. إن قابلية الإنسان للخطأ، بناءً على هذا الاعتراض ، يعطينا سببًا وجيهًا لعدم الشروع في تدخلات الخط المشيجى. ولأغراضنا الحالية، يمكننا أن ننحي جانبا مسألة سلامة الإجراء، المفهومة بشكل ضيق، وأن نركز على أن خطر الآثار الجانبية الطبية قد انخفض إلى مستوى مقبول. ويتعلق الاعتراض قيد النظر بعدم إمكانية الرجوع عن تدخلات الخطوط المشيجية وعدم إمكانية التنبؤ بنتائجها طويلة الأجل ؛ ويجبرنا على التساؤل عما إذا كانت لدينا الحكمة اللازمة لاتخاذ خيارات وراثية نيابة عن الأجيال القادمة([xciv]).
إن قابلية الإنسان للخطأ ليست أرضية قاطعة لمقاومة التحسينات الجينية للخط المشيجى. والادعاء بأن مثل هذه التدخلات لا رجعة فيها غير صحيح. يمكن عكس تدخلات الخط المشيجى خلال تدخلات خط مشيجى آخر. بالإضافة إلى ذلك، بالنظر إلى أنه من غير المرجح أن يتوقف التقدم التكنولوجي في علم الوراثة بشكل مفاجئ في أي وقت قريب، يمكننا الاعتماد على قدرة الأجيال القادمة على عكس تدخلاتنا الحالية في الخط المشيجى بسهولة أكبر مما يمكننا تنفيذه حاليًا. مع التكنولوجيا الجينية المتقدمة، قد يكون من الممكن حتى عكس عديد من تعديلات الخطوط المشيجية مع العلاج الجيني الجسدي، أو مع التكنولوجيا النانوية الطبية([xcv]).
من القضايا المهمة التي يشدد عليها بوستروم هي اختيار السمات لأطفالنا، فهناك بعض السمات التي نقدرها اليوم ربما لن تكون ذات قيمة في السياق الثقافي للمستقبل، ويستشهد بوستروم بقول ل الفيلسوف الاسترالي (جون ماكي)، إذ يقول الأخير “إذا كانت الهندسة الوراثية متاحة في العصر الفيكتوري ، لكان الناس قد صمموا أطفالهم ليكونوا وطنيين وأتقياء، ربما كانت الروح الوطنية والتقوى من السمات التي تم تقديرها في العصر الفيكتوري، لكنها أقل قيمة في مجتمعات مثل المملكة المتحدة، وبما أن القيم متقلبة، سيكون من غير العدل فرض قيم الآباء وتفضيلاتهم على الأبناء، لهذا السبب، عند التدخل في التركيب الجيني للطفل، من الواجب أن يتم تقديم المصالح الفضلي للطفل، ومن المرجح أن تخدم خصائص مثل الذكاء والسعادة والصحة هذه الغاية أكثر من خصائص مثل التقوى والقدرة التنافسية والبراعة الرياضية([xcvi]).
لم يكن من اليسير قبول تخليق كائن جديد (ما بعد انسان)،” ذلك أن الأنواع المختلفة من التحسينات طرحت تحديات اجتماعية مختلفة لبعض الأشكال المستقبلية للهندسة الوراثية التي يمكن أن تؤدي إلى إنشاء نوع جديد من الجنس البشري”.
فبغض النظر عن مسألة الضرر الذي يلحق بالجنين أو الطفل الناتج، يعتقد أن هناك شيئاً شريراً في الرغبة في تكوين أشخاص يتمتعون بجودة وراثية معينة، ذلك أن الرغبة في إعادة تشكيل الطبيعة البشرية، لخدمة أغراضنا وإشباع رغباتنا تدمر التقدير للطبيعة الموهوبة للقوى والإنجازات البشرية، فضلاً عن أن الرغبة في إنجاب طفل بجودة وراثية معينة لا تتوافق مع نوع الحب الفطري الذي يكنه الآباء لأطفالهم، هذا لأن تقدير الأطفال كهدايا يعني قبولهم عند قدومهم، ليسوا كأشياء من تصميمنا أو منتجات لإرادتنا أو كأدوات لطموحنا([xcvii]).
لذلك أكد منتقدو التحسينات الجينية أن إنشاء “أطفال مصممون” سوف يفسد الآباء، الذين سيعتبرون أطفالهم مجرد منتجات، يخضعون للتقييم على وفق معايير مراقبة الجودة بدلاً من القبول المحبوب غير المشروط، هل المجتمع مستعد للتضحية على مذبح النزعة الاستهلاكية حتى تلك القيم العميقة التي تتجسد في العلاقات التقليدية بين الطفل والوالدين؟ هل البحث عن الكمال يستحق هذه التكلفة الثقافية والأخلاقية؟([xcviii])
لهابرماس قلق خاص بشأن استقلالية الطفل، الذي لا يمكنه إعطاء موافقته المسبقة أو الدخول بحرية في أي شكل من أشكال العقد، حيث لا يوجد مجال تواصلي للطفل الذي يتم اختياره جينيا أن يتم التعامل معه كشخص ثان ولإشراكه في عملية تواصلية، لذلك يتحفظ حول الحرية النسالية عند الأهل، فهذه يجب ألا تدخل في صراع مع الحرية الأخلاقية عند الأولاد، … فالمعالجة التي تصيب السمات الوراثية تنهي التمييز بين الطبيعي والاصطناعي، إلا أن بوستروم يعتقد أن هذا الاعتراض في غير محله، تؤثر العوامل الوراثية – إلى جانب العديد من التأثيرات الأخرى – على ما يمكننا تحقيقه في الحياة بغض النظر ما إذا كانت جيناتنا قد تم اختيارها خصيصا لنا. لذلك، فإن الطفل الذي تم اختيار جيناته، لا يقل حرية أو استقلالية عن الطفل المولود بأية بنية جينية، بل الطفل الذي ولد نتيجة للتدخل الجيني بتحسينات في القدرات مثل الذكاء والصحة العامة من المرجح أن يتمتع باستقلالية أكثر بدلا من أقل، لأنه سيكون أفضل استعدادا لتحقيق الخطط والطموحات لحياته([xcix]).
من الممكن أن تختار الأجيال القادمة الاحتفاظ بالتعديلات التي نقوم بها. إذا تبين أن هذا هو الحال، فإن التعديلات ، رغم أنها ليست لا رجعة فيها ، لن يتم عكسها فعليا. قد يكون هذا شيئًا جيدًا. إن احتمال حدوث عواقب دائمة ليس اعتراضًا على تدخلات الخط المشيجى أكثر من كونها ضد الإصلاحات الاجتماعية. وإلغاء الرق وإدخال حق الاقتراع العام قد لا يتم عكسهما أبدا ؛ في الواقع ، نأمل ألا يكونا كذلك. ومع ذلك، هذا ليس سببًا لمقاومة الناس للإصلاحات. وبالمثل، فإن احتمال حدوث عواقب أبدية، بما في ذلك تلك التي لا يمكننا التنبؤ بها حاليًا بشكل موثوق، لا يشكل في حد ذاته سببًا لمعارضة التدخل الجيني. إذا تم نقل المناعة ضد الأمراض المروعة والتحسينات التي توسع فرص النمو البشري إلى الأجيال اللاحقة على الدوام، فسيكون ذلك سببًا للاحتفال وليس للندم([c]).
هناك بعض أنواع التغييرات التي نحتاج إلى توخي الحذر بشأنها بشكل خاص. وهي تشمل تعديلات على محركات ودوافع أحفادنا. على سبيل المثال، هناك أسباب واضحة تجعلنا نعتقد أنه من المفيد السعي للحد من ميل أطفالنا إلى العنف والعدوان. ومع ذلك، سيتعين علينا أن نحرص على ألا نفعل ذلك بطريقة تجعل الناس في المستقبل مستسلمين أو راضين بشكل مفرط. يمكننا تصور سيناريو بائس على غرار رواية عالم جديد شجاع Brave New World، حيث يعيش الناس حياة ضحلة ولكن تم التلاعب بهم ليكونوا راضين تمامًا عن وجودهم دون المستوى الأمثل. إذا نقل الناس قيمهم الضحلة إلى أطفالهم، فقد تعلق البشرية بشكل دائم في حالة غير جيدة جدًا، بعد أن غيرت نفسها بحماقة لتفتقر إلى أي رغبة في السعي لتحقيق شيء أفضل. ستكون هذه النتيجة بائسة لأن وضع حد أقصى دائم للتحسين البشري من شأنه أن يدمر أمل ما بعد الإنسانية في استكشاف عالم ما بعد الإنسان. لذلك، يركز دعاة ما بعد الإنسانية على التعديلات التي، بالإضافة إلى تعزيز رفاهية الإنسان، تفتح أيضًا إمكانيات أكثر مما تغلق وتزيد من قدرتنا على اتخاذ الخيارات اللاحقة بحكمة. تعد فترات العمر النشطة الأطول والذاكرة الأفضل والقدرات الفكرية الأكبر مرشحين معقولين للتحسينات التي من شأنها تحسين قدرتنا على معرفة ما يجب علينا القيام به بعد ذلك. سيكون مكانًا جيدًا للبدء([ci]).
تعقيب:
*- مرحلة ما بعد الإنسانية هي مرحلة بعد مرحلة الحداثة يحاول العلماء فيها التوصل إلي الحلول فيما يتعلق بالأمراض الوراثية التي يعاني منها الإنسان الحالي ،إلا أن هذه المحاولات يصاحبها عديد من التغيرات التي تطرأ علي المجتمع البشري من تغيرات فكرية وروحية ووجودية .
*- علي الرغم من محاولات أنصار مرحلة ما بعد الإنسانية من أرسال رسائل اطمئنان حول طبيعة هذه المرحلة إلا أنه مازال أمامهم عديد من التساؤلات حول مصير الإنسان الحالي وكيف يتم التعامل معها في تلك المرحلة .
*- علي الرغم من القواعد العلمية التي يسعي أنصار مرحلة ما بعد الإنسانية إلي نشرها ودعمها، إلا أنها قواعد ومعايير تخلو من الضمان والقواعد الاخلاقية، فليس هناك ما يضمن أن هذه المرحلة رغم ما فيها من تطور تكنولوجي أنها تحافظ علي كرامة الإنسان وحريته، ولهذا من الممكن أن يتحول الإنسان من كونه حر إلي مجرد آلة يجري عليها التجارب .
*- كما أن هناك مخاطر تتعلق بمرحلة ما بعد الإنسانية تتعلق بأننا سيكون علينا مواجهة أساليب حياة جديد وفقا لقواعد علمية جديدة لا نعلم عنها شئ والخطأ فيه كفيل أن يقضي علي الحياة البشرية بالكامل .
*- الحياة البشرية بكل ما فيها من الايجابيات والسليبات حياة مقدسة لا يجوز أن تكون موضع الاختبار والتجربة، ولكننا في المقابل لا نستطيع الهروب من المراحل القادمة أو بالتحديد مرحلة تجاوز الإنسان، ومع هذا علينا التأمل الدقيق قبل أن تتحول الحياة البشرية إلي مجرد محاولة داخل معامل .
*- يدعي أنصار مرحلة ما بعد الإنسانية أنه من خواص هذه المرحلة هي المحافظة علي حرية الإنسان وزيادة شعوره وإدراك بذاته ،إلا أنه كيف يتحقق ذلك وهم من البداية حددوا ما يجب أن تكون أو ستكون عليه البشرية مما يمثل القضاء الكامل علي جوهر حرية المجتمعات البشرية تحت نداءات التطور العلمي والتكنولوجي .
*- يفقد الإنسان في مرحلة ما بعد الإنسانية الاستقلالية منذ اللحظة الأولي له في هذه المرحلة خلال التحكم في الجينات الوراثية التي تعمل علي زيادة معدل الذكاء والقضاء علي الأمراض الوراثية .
*- إن مرحلة ما بعد الإنسانية يتعلق بها المخاوف والقلق أكثر من أي مشاعر أخري ولهذا لأنها سوف تعمل علي استبدال الحياة البشرية بحياة أخري، فمن هنا يكون القلق كيف يتم هذا الاستبدال، هل هو استبدال آمن إما من خلال القضاء علي الحياة البشرية وإما سوف يظل البشر كما هم مع ظهور مجموعة بشرية جديدة أكثر ذكاء قادرة علي التحكم في الحياة علي الأرض حتي يكون البقاء لهم.
*- إن محاولات مقارنة التحكم في الجينات في مرحلة ما بعد الإنسانية بمحاولات تحسين النسل في المرحلة الراهنة هي محاولات مضللة، لأننا اليوم نعمل علي تحسين فقط، أما في مرحلة ما بعد الإنسانية فالوضع مختلف لأنها تعمل علي استبدال كائن محل كائن أخر مع البقاء علي مخاوف هل هو الشخص نفسه أم أنه نسخة أخري منه.
*- في الحقيقة وبشكل عام يمكننا القول أننا أمام مرحلة مختلفة بتحديات مختلفة علي الحياة البشرية الآنية، في المقابل لا نستطيع أن نقف أمام حركة التقدم العلمي السريع ولكننا نريد أن نخضع هذه المرحلة وكل ما فيها من محاولات إلي الضوابط الأخلاقية التي تحافظ علي قديسة الحياة البشرية دون حداث أي خلل.
انتهى.
المراجع:
([liii])سوزان شنايدر، ص385.
([liv])المرجع نفسه، ص386.
([lv])المرجع نفسه، ص386.
([lvi])المرجع نفسه، ص387.
([lvii])المرجع نفسه، ص387.
([lviii])المرجع نفسه، ص388.
([lix])علي الحواتي: أخلاقيات التعامل من التقانات الحديثة أي تقانة؟ وأي تعامل؟ ولأي مجتمع؟، مقال ضمن كتاب أخلاقيات التعامل من التقانات الحديثة، تحرير فريال صالح، عبد العزيز البونى – المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 2008، ص27.
([lx])محمد توفيق الضوي: نظرية الهوية الشخصية ، دار الوفاء، الإسكندرية ، ص52.
([lxi])President’s Council on Bioethics (US). Human cloning and human dignity: an ethical inquiry. President’s Council on Bioethics, 2002. , P. 104.
([lxii])Ibid, P. 105.
([lxiii])رجيس جوليفيه: المذاهب الوجودية من كيركجارد إلى جان بول سارتر، ترجمة فؤاد کامل، مراجعة محمد عبد رجیس الهادي أبو ريدة، ط1، دار الآداب، بيروت – لبنان، ۱۹۸۸م، ص63 ،64.
نقلاً عن: هند مداح، ص317.
([lxiv])فيليب بري: تعزيز الإنسان والهوية الشخصية، ص270.
([lxv])Nick Bostrom, Human Genetic, P. 496.
([lxvi])فرنسيس فوكوياما: نهاية الإنسان، ص14.
([lxvii])Nick Bostrom, Human Genetic, P. 496.
([lxviii])فرنسيس فوكوياما: نهاية الإنسان، ص15.
([lxix])المرجع نفسه، ص16.
([lxx])المرجع نفسه، ص16.
([lxxi])”The Future of Genomic Medicine,” Génetic Engineering and Biotechnology News, vol. 40, no. 9 (Septembe 220), p. 39.
([lxxii])فاطمة القرقورى: مستقبل الطب وعلم الوراثة والجينوميات، ضمن مجلة استشراف للدراسات المستقبلية، قطر، 2021، ص317.
([lxxiii])المرجع نفسه، ص318.
([lxxiv])دانييل كيفلس، لبروي هود: ص286.
([lxxv])هانى رزق: بيولوجيا الاستنساخ، ضمن كتب الاستنساخ جدل العلم والدين والأخلاق، دار الفكر المعاصر، دمشق، بيروت، 1997، ص113.
([lxxvi])المرجع نفسه، ص114.
([lxxvii])هانى روق: المعالجة الجينية، طب الجينات وجراحتها، عالم الفكر، العدد 2، المجلد 35، الكويت، 2006، ص105.
([lxxviii])بوغالم جمال: مشروع الجينوم البشري بين التقدم العلمى والمأزق الأخلاقى، مجلة أبعاد، مجلد 6، العدد2، قطر، 2020، ص287.
([lxxix]) ناهدة البقصمي: الهندسة الوراثية والأخلاق، عالم المعرفة، الكويت، 1993، ص206.
([lxxx])Nick Bostrom, Human Genetic, P. 497.
([lxxxi])Ibid, P. 497.
([lxxxii])Nick Bostrom, Human Genetic, P. 498.
([lxxxiii])Ibid, P. 498.
([lxxxiv])نوال طه، ص52.
([lxxxv])المرجع نفسه، ص53.
([lxxxvi])Bostrom, Nick & Anders Sandberg, Cognitive Enhancement: Methods, Ethics, Regulatory Challenges, Springer Science + Business Media B.V. 2009, p. 314.
([lxxxvii])نوال طه، ص53.
([lxxxviii])المرجع نفسه، ص54.
([lxxxix])Nick Bostrom, Human Genetic, P. 498.
([xc])Ibid, P. 499.
([xci])Cook- Deegan, R., The Gene Wars: Science, Politics and The Human Genome, W.W. North, New York, 1994, P. 503.
نقلاً عن إبراهيم الشريف، ص186.
([xcii])Nick Bostrom, Human Genetic, P. 499.
([xciii])ايوجين برودی: تقنيات الطب البيولوجية وحقوق الإنسان، ترجمة يوسف يعقوب السلطان، مراجعة محمد صالح العبد، مؤسسة الكويت التقدم العلمي، الكويت، 1996، ص 124.
([xciv])Ibid, P. 503.
([xcv])Ibid, P. 504.
([xcvi])نوال طه: ص54.
([xcvii])المرجع نفسه، ص55.
([xcviii])المرجع نفسه، ص55.
([xcix])المرجع نفسه، ص55.
([c])Nick Bostrom, Human Genetic, P. 504.
([ci])Ibid, P. 505.
مقالات ذات صلة:
ازدواجية الفعل بين الواقعي والافتراضي
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا