
كنت أردد كالعادة آية من آيات الذكر الحكيم وهى “الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات” فى حقيقة الأمر أنا لم أتطرق إلى قراءة أى تفاسير لهذه الآية الكريمة وقد يكون ذلك بسبب وضوح وبداهة ما تناقشه الآية، ولكن الذى جعلنى أقف وأتأمل هو: أن آيات القرآن الكريم جميعها تقضى بأن الإنسان حر فى اعتقاده وما يؤمن به ويفعله “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” ولكن المختلف هنا هو تدخل الإله فى أمور الهداية فى أن يأخذ ويربط على قلوب فريق دون الآخر وترك الفريق الآخر لنفسه ولم يَتَدَّخل ليوقفه، ففى الآية يقول
” الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور” فالإله هنا جاء وليًّا لهم كصفة، وكفعل أنه يربط على قلوبهم ويعينهم ويخرجهم من ظلمات الجهل والغرق فى الشهوات واتباع الأهواء إلى النور، إنه فيض من الإله، يعين الإنسان على الانتقال من حالة الجهل إلى العلم، الخلق، الصبر، الحكمة، العطاء، الكمال…. إلى ما لا نهاية فكل هذا فيض نوره، وإن صح القول فالكل فى واحد
ويأتى السؤال لماذا فريق دون الآخر؟!
ولماذا لم يقل المسلمين بدلاً من المؤمنين أو أن يقول الإنسان ولا يحدد اعتقاد بعينه؛ ألسنا جميعا خَلقه؟!
لقد كتب إن المؤمنين هم الفائزين بعون الله ومعيته ولكن ما معنى الإيمان وكيف يأتى ويترسخ، وإيمان بماذا؟! إذا كانت الإجابة أنه إيمان بالإله فنحن جميعًا لدى كل منا اعتقاده وإيمانه بالإله، أليس من يقول من اليهود عزير بن الله هو مؤمن؟! والذى يقول من النصارى إن المسيح بن الله وأنه ثالث ثلاثة هو مؤمن أيضًا، ومن المسلمين الذى يشهدون بوجوده ووحدانيته هو إيمان أيضًا، ومن يعبد البقر والشمس والمادة هو أيضا عنده إيمان، جميعهم مؤمنون بحتمية وجود الإله ولكنهم جميعا مختلفين حوله فى طبيعته وكيفيته وصفاته، لماذا إذن لم يخرجهم جميعا، لماذا لم يوصلهم إليه مع أنهم مؤمنون بوجوده؟!!
بهذه المقدمات نستطيع أن نخرج بنتيجة، وهى أن هناك كثير من الاعتقادات ينتج عنها إيمان وكلما ظلت الأمور كما هى الآن سيصبح لدى كل منا اعتقاده وإيمانه الخاص به ولكن يبدو أنه إيمان واحد نتج عن اعتقاد واحد وفق كيفية معينة، لذلك دعونا نوضح حقيقة الإيمان .
الإيمان هو التصديق والاطمئنان ومحله القلب وهو بمثابة المحرك والدافع ليفعل الإنسان ما يشعر أنه واجب بناءً على اعتقاده، أما الإيمان وكيفية الوصول إليه لابد أن يتم وفق آليات ومنهج تفكير معين يلتزم بقوانين منطقية بديهية تلقى القبول عند الإنسان ولا يسأل لماذا هى هكذا؟ فالإيمان كما ينبغى أن يكون لابد أن يسبقه اعتقادا (رؤية) أى تصور لكل ما يحيط بنا ومفهوم يمنحنا حقيقة الأشياء ومجريات الأمور (كل ما هو كائن) تصور لكل ما يتحكم فى سلوك الإنسان ومصيره وأكبر هذه الأشياء هى “الإله” “الكون” “الإنسان”، وإن لم يسبقه اعتقاد فكيف يكون إيمانا، فإن أبسط الأمور بداهة هو كيف للإنسان العاقل أن يحب شيئا ويؤمن به وهو لم يعرفه ولم يعرف صفاته إذا هو حب وتعلق بصورة غير حقيقية لهذا الشئ وإذا صح القول هو حب زائف وفى أول محنة سيزيغ قلب الإنسان عنه ويذهب إلى شئ آخر وإن كان الشيطان، حتى أنه بناءً على اعتقاده الخاطئ قد ينفر من الإيمان الحقيقى بعد ما يتبين أنه كان يعتقد سرابًا فيكفر وينفر من كل فكرة غيبية لايراها فتكون كل هذه الحياة سرابًا، ولا بد مع ذلك أن يفهم الإنسان نفسه فإذا تحقق ذلك سيرى الإله فى نفسه فى كل نفس يتنفسه وسيفهم حقيقة ما يحيط به من كون مادى وأنه مخلوق كباقى المخلوقات وأن له قضية خُلق من أجلها وأن الكون أيضًا خُلق له ليؤدى الإنسان مهمته ويعرف ما ينبغى أن يفعله وكيف يفعله ولمن يتوجه بنيته وفعله، ثم يمتلأ قلبه بشعور التقرب والحب لمن أوجده ومن أفاض عليه بكل شئ، بعلمه ورحمته وعدله وحكمته وحياته، ويملأ قلبه شعور كالبارود فى مركبات الفضاء الذى إذا ما اشتعل تولد قوة قادرة أن تخترق الجاذبية إلى خارج الأرض حيث مكان لا جاذبية فيه ولا عوائق، هكذا الإنسان أيضًا إذا ملأ قلبه هذا الشعور (تصديق واطمئنان) أعطاه قوة تجعله ينطلق ويكسر جميع علائق الدنيا وارتباطه بشهواته ويأخذه بعيدا حيث بدأت حياة جديدة فيها الروح تُتَوج وتكتمل باتصالها وتقربها من مصدر الكمال حتى يذوق الإنسان حب خالقه وتفنى روحه فى ذات خالقه فتبغض كل شئ يبغضه الإله وتنفر وتكره كل ما يبعدها عن مصدر كمالها، هذا الشعور قد يفنى عمر الإنسان فى طريق الوصول إليه، ولكن كفى أن يراه خالقه فى الطريق إليه، هذا الشعور محله القلب بعد الاعتقاد الصحيح، هذا ما أسماه الإله إيمان ووضع قوانينه، وإذا ما التزم الإنسان به، كان لصاحبه معية الإله والعون على طريق الخروج من ظلمات كل شئ إلى نوره فى كل شئ، هؤلاء الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون