الضمير… نم ولا تخف، أنا استطيع تملك زمام الأمور
الضمير غائب
سُجنتُ في ظُلمةٍ حالكةٍ كفيلة بعزلي عن حدود الزمان والمكان، و كُبلتْ يديّ ورجليّ بسلاسل ثقالٍ لتحول دون حِراكي وأُلقيَ بي على أرض عارية عن أي بساط أو غطاء فَسَرَى زمهريرها إلى أوصالي. وارتجف لها بدني بردًا؛ بردًا تيبست له حواسيّ . فدموعي ترقُد في عيني و تأبى أن تلامس خديّ، و حزني الطاعن في قلبي يرفض أن يجهر به لساني بعبارات التوجع والتشكيّ. حال يُوقِدُ لهيب الألم في نفسي ويملأ خاطري بصدى سؤالٍ لا يكاد يفارق الذهن أبدًا..هل أنا ميت ؟؟
يعود بي شريط ذكرياتي إلى محطة أثرت فيها عينَيّ أن تحتميا بجفونهما؛ لعجزهما عن مواجهة ضوء شديد السطوع أثار عصبهما الحسيّ باستجابة سريعة للعودة إلى مأوى الجفن المحكم الإغلاق، ولمّا فُتحتا كانتا شاهدتين على حياة هادئة سعيدة يملأ نور الحق والعدل أرجائها بصحبة رفيق درب تعاهده على الوفاء والإخلاص مدى الدهر .
ولكن ترفض وتيرة الحياة أن تستمر على حالها لتُغريك -صديقي- بمُتعها وتُغرقك في زبدها المتلاطم فتُبعدني عن رِفقتك وتوقع البعد والخلاف بيننا .
كيف تبدأ القصة؟
كذبة صغيرة بيضاء تدَّعي فيها قول الحق و محاولات لكسب الدعم والمعيّة ممن حولك لمساندة موقفك و لتحقق من ورائه مكاسب زائفة أو للتهرب من تحمل عقاب تستحقه بسبب إخلالك بمسؤولياتك، و ابتداع وابتكار في استخدام طرق عديدة للغش والخداع في شتى مناحي الحياة فتظلم به نفسك و يمتد ظلمك ليشمل دوائر المجتمع كافة وينالوا منه نصيبًا و تعدي على ممتلكات الغير واستباحة حقوقه وخصوصياته بالسرقة و السلب و تضييعها ومنحها لمن لا يستحقها.
مثل تلك السلوكيات وغيرها سوّلتها لك نفسك بمبررات هاوية يهتز أسس بنائها؛ فتتمسك بها حينًا وحينًا آخر تهدمها وفقاً لأهواء النفس ومنافعها، و لظروف حياة صعبة و مقومات لا تكفي لتلبية احتياجاتها، و سعي لنيل حياة كريمة أو لكثرة سالكي هذا الطريق.
فكنت حكمك العدل وصديقك الوفي الذي طالما أنّبك وآلمك ونصحك بالعدول عن تقديم الخطى نحو كل بغيض وقبيح جال بخاطرك أو هممت به؛ فتعينني و تنصرني على أهواء نفسك مرة ومرات أخرى تغلبني رغباتك المنصاعة تحت حكم الشهوة و المنفعة الفردية المتجاهلة لقيمة العدل و سمو الفضيلة. فلم أكن بالفرد الضعيف الذي يستسلم أمامها معلنًا عزمي وحزمي على استمرار مرافقتك يا صاحبي فأعود إلى منوالي الأول من النصح والإرشاد دون سأم أو فقدان لأمل صحوتك وعودتك إلى سبيل الحق والصواب.
فأحاول أن أقرِّب مسافات البعد بيننا لتنجح أهواء نفسك ومبرراتها الزائفة في بث الفراق من جديد والتكالب عليّ وتقيدي بأساور اليأس والخنوع والإلقاء بي في غيابة الظلم والتبرير. فإياك يا صديقي أن تجهل العلة وراء حزني ودموعي التي تملأ مقلتيّ؛ فما هي إلّا مظاهر أسف عليك لتضاؤل شعاع نور الحق والخير بداخلك شيئًا فشيئًا حتى تلاشى تماما تاركًا خلفه الضمير الغائب.
سامحني!
سامحني أيها الضمير؛ فقد أغرتني أثواب الدنيا البراقة بجمالها؛ فانقادت لها نفسي دون تعقل أو وعي يُلجمها. فخَلَّفتُ ورائي مبادئ وقيمي وأخلاقي، وتَصدَّر التغييب والتعتيم على معارفي وأفكاري فساورها الخطأ والخلل.
فعد إليّ يا ضميري وآزرني وعاونيّ على نمط السلوك السليم المجرد عن المصالح والمكاسب المحققة بوسائل الاحتيال أو المحاباة، والمسلوبة من قِبل أهلها والجائرة على حدود العدل والفضيلة. فأعِنيّ على مجاهدة نفسي وإخضاعها لحكمة العقل والخلق النبيل.
عبارات تخرج من فمك يا صديقي الغالي ليتردد صداها في وسط العتمة نورًا؛ نور الفرح والسعادة برجعتك وإنابتك ؛ نور تحررك من قيد أسوار فلتات نفسك ومبرراتها؛ نور نشوَة انتصارك الصعب على غريزة نفسك وسقطاتها غير المنضبطة بمعايير الحق والعدل والخير والصواب.
حروف وكلمات انهمرت؛ لها قطرات الدمع بغزارة لتعصي جلدتي وكبريائي وتمنحني القوة للوقوف مرة أخرى في سند الصديق العائد فنخوض معًا سجالاً طويلاً؛ لن يخلو من العثرات والزلات. ولكن ما بين غفواتك وصحواتك يا صديقي سيظل معك ذلك الضمير الحيّ .
اقرأ أيضا:
لماذا الخوف من الحلوى؟ لاتهرب من المعرفة
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط
ندعوكم لزيارة قناة الأكاديمية على اليوتيوب