مقالات

ما بين جروح الانبطاح وجروح التحرير

عندما أتذكر أحداثًا من القضية الفلسطينية في الماضي، أتذكر المظاهرات التي كانت تجوب شوارع بلدان العالم كله (لم يقتصر الأمر على الدول العربية فقط)، و كيف كان الحكام العرب وجامعة الدول العربية يجيدون فن الشجب و الإدانة بلهجة قوية (مع أنه كان أضعف الإيمان)، ووصف ما يحدث بأنه عدوان إسرائيلي سافر على المواطنين الأبرياء.

كان السلاح الفلسطيني وقتها لا يتعدى الحجارة و بضع بنادق، ومع ذلك كانت المقاومة الفلسطينية تؤلم الجيش الذي لا يقهر، كانت تقوم بعمليات إستشهادية متفرقة ومتباعدة لكن كفيلة بأن تقلق راحتهم و تقض مضاجعهم.

كان الرأي العام حينها منفتحًا على القضية الفلسطينية وملما بأبعادها. كانت التغطية الإعلامية نفسها تحيي القلوب، كانت الشوارع تستشيط غضبًا لمشاهد القتل والتعذيب، كانت لدى الشعوب رغبة حقيقية في تحرير كامل أرض فلسطين وبذل الغالي و النفيس من أجلها. كانت الحكومات العميلة تقف في طريقها، لكن تستحي أن تعلنها صراحة وتعلن الدعم المعنوي فقط للشعب الفلسطيني المقهور.

للأسف اختلف الحال اليوم، انقلبت الموازين، واختلت المفاهيم. فقد نجح العدو الصهيوني في عزل فلسطين عن ذاكرة الشعوب. نجح بدسائسه و آلاته الإعلامية العميلة في إشغال الشعوب بنفسها عن غيرها. قام بمساعدة قوى الاستعمار و الاستبداد الكبرى في تعليم الحكومات العربية كيف تشغل الشعوب بالبحث عن لقمة العيش و الجري وراء أحلام مادية مضخمة فلا يقوى على التفكير في قضايا الأمة. طمسوا العقول فماتت الأفكار فيها.

أصبحت الثقافة الآن:( لقد دفعنا الثمن من أجل فلسطين كثيرًا، يكفي هذا، فليهتموا بشؤونهم هم و يتولوا أمورهم بأنفسهم ) كأن من بفلسطين طفل صغير حان وقت فطامه! وليس شعب تحت الاحتلال يحتاج النجدة و يحتاج لمداواة جراحه. أصبحت القلوب ترتجف والعيون تغرق في الدموع عند مشاهدة فيديو لأحد الأشخاص ينقذ حيوانًا جريحًا أو يعيد سمكة إلى البحر بعد اصطيادها، لكنها نفس القلوب و نفس العيون التي تتحول إلى حجارة أو أشد قسوة أمام مشاهد القتل و التنكيل بالشعب الفلسطيني. الفلسطينيون لا يطلبون منا الدخول في حرب لسنا مستعدين لها، هم يطلبون أضعف الإيمان و هو المساندة المعنوية، يا ليت الشجب و الإدانة يعودان بنفس قوة الماضي. المقاومة الآن لا تحتاج منا الحرب، فلقد تقدمت كثيرًا عن زمن الحجارة، أصبحت تؤرق ليلهم قبل نهارهم بأمطار من صواريخ مختلفة المدى، وتطورت تقنياتهم إلى طائرات بدون طيار. أصبح الصهاينة لا يبيتون في بيوتهم الفارهة بل يعيشون في الملاجيء تحت الأرض, ويا لها من حياة. المقاومة تقدمت خطوات عديدة إلى الأمام فلماذا نتقهقر نحن في مساندتنا لهم؟ بل أن هناك من تمادى و أسقط بيده ورقة التوت الأخيرة فراح يدين المقاومة و يصف عملها بالأعمال العدائيةو المتهورة ضد دولة إسرائيل الشقيقة( أو ابنة العم! )

اضغط على الاعلان لو أعجبك

للأسف نجحت مخابرات العدو في مسعاها،فانشغلت الشعوب بعيشها وكدها، وتعلقت بالدنيا حتى أضحى مجرد التعاطف مع الفلسطينيين أو الإشادة بالمقاومة فعلة نكراء. أصبح مجرد التفكير في إدخال الغذاء والدواء لهذا الشعب المحاصر هو إعلان حرب على أمريكا. و الخوف كل الخوف من البعبع أمريكا!!

يا سادة أمريكا ما هي إلا قطة من ورق، أقصى آثارها هي بضع خربشات تُشفى سريعًا. ما يهزم إسرائيل و أمريكا ليس قوة السلاح لكن قوة العقيدة، عقيدتنا توحدنا وتمنحنا قوة نزيل بها إسرائيل وأمريكا. لكن )الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا )، فليس المطلوب الدخول في حرب التحرير الآن، كل المطلوب هو فتح المعابر و كسر الحصار، المطلوب فتح التجارة مع غزة، فهم ليسوا في حاجة لمساعدات مجانية. وتلك منفعة اقتصادية لنا، فلنكن براجماتيين في هذا الشأن! لكن حتى هنا تختفي البراجماتية، و يظل المحرك الأساس لكل تحركات الحكومات العربية هو العمالة و الانبطاح لأمريكا، علّموا شعوبهم حب الدنيا و التعلق بها ولو على حساب العزة والكرامة. فبعد أن كان هتاف الشعوب “بالروح بالدم نفديك يا أقصى” أصبح شعار حياتهم “بلاش نتهور لحسن نتعور”!

لتحرير فلسطين لابد من بذل الجهد و الدماء، (ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما ( 104 ) ( ولا تخافوا فجروحنا من التحرير ستشفى سريعا مع فرحة الانتصار، لكن فقدان القدس و فلسطين هو جرح غائر في قلب الأمة الإسلامية والعربية، جرح لا يندمل إلا بعودتهما.

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.

ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.

رشا الشتيحى

طبيبة أسنان

محاضرة وباحثة بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالاسكندرية