مقالات

ما بعد اليوم العصيب

يوم عصيب، ذاك اليوم الذي شعر فيه نبي الله لوط عليه السلام أنه بلا سند يمكن أن ينجيه من هذا الموقف البئيس الرهيب المخيف، الذي ينذر بنوع من تلك المآسي التي لا يمكن أن تُمحى من حياة أي إنسان!

لكن المفارقة هنا أن تلميذ سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام لم يكن أي إنسان، فقد كان نبيًا.

وسيكون علينا هنا أن نتعلم من قصص هؤلاء الأنبياء ما يخص خبر السماء، وسنتعلم أيضًا ما يخص خبر الأرض وأهل الأرض.

وإذا كان ما يخص خبر السماء هو الأعلى والأقدس، فما يخص خبر الأرض هو الأوقع والأروع. أوقع لاتصاله الوثيق بالواقع، وأروع لاتصاله الوثيق بالإنسان، الإنسان في حقيقته الكاملة، مخلوق الله المختار الذي يحمل في جوانبه سر من أسرار السماء.

ستكتمل لهذا الإنسان الكمالات كلها وتتحقق له الحقائق كلها بإشراقات هذا السر الذي يحمله، ويجعله أرقى مخلوقات الأرض.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

إنها “الروح” التي هي من خبر السماء، التي لا يعلم عنها شيئًا إلا أنها جعلت منه إنسانًا حيًا، يفكر ويشعر ويتعلم وينطق. لكن سيظل علمه بذلك كله قليل، مهما كثر وزاد سيظل قليلًا حتى يأتيه الفناء.

فهناك موت يلاحقه، موت سيعرّي الدنيا أمامه وخلفه من زيفها كله، ويضعه وجهًا لوجه أمام مصيره في أبد الخلود. ويالها من معضلة لن يجد لها حلًا، إلا عن طريق معرفته بالبداية.

من أين له المعرفة بالبداية، وهو لم يبدأ نفسه؟ لقد وجد نفسه “مبتدأً”، بل و”خبرًا” أيضًا! عليه إذًا أن يوجه وجهه شطر السماء، ويتلقى منها الهدى، رسول ووحي وتنزيل، وآلاف البراهين التي تؤكد وتوثق ذلك كله.

لكنه بكل أسف سيحمل بداخله نمردة التمرد كما حكى لنا المفكر الفرنسي الراحل “ألبير كامو” في كتابه الذي حمل نفس الاسم “التمرد”.

ورغم أن الكتاب يحمل كثيرًا من أفكار الرفض والعناد والتكبر والعتو على الحقيقة، فهو يفتح أفقًا واسعًا لمعاني الإيمان والتسليم واليقين، عقلًا وقلبًا وضميرًا.

سنتعجب كثيرًا من هذه العقول، التي ضلت طريقها لـ”الحقيقة” بكل هذه الخيبة المدهشة، رغم أن التجربة الذاتية في معرفة الحقيقة بالغة السهولة.

سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام أقام الحجة العقلية المجردة على البشر كلهم أجمعين. سأل الأسئلة كلها، وتلقى الإجابات كلها.

لكن موقفَ تلميذه القريب في ساعة “الأزمة الأزيمة” التي حلت به مع ضيوف الفجأة موقفٌ مشحونٌ بأبعاد لا يُرى لها حدود. كان يومًا عصيبًا حقًا، تفاصيله معروفة، لكن ما بعده هو الأهم هنا لأسباب كثيرة.

أهمها أنه سيشرح لنا اللحظات الأخطر التي سبقته وجاءت به، وسيمهد فهمنا لحالة السحق والمحق التي ستحدث لمن لا يستحق الحياة.

اليوم العصيب كان على عتبات أبواب النبي، وكانت ملائكة السماء معه وحوله وهو لا يشعر بهم، لقد كان مجيئهم السبب المباشر لتصاعد الموقف كله إلى منتهاه، والدفع به إلى أقصى مداه.

إلى حد أن النبي المغلوب قال قولته المعروفة، عن ضعف قدرته وافتقاده لمن ينصره! التي سيستغفرها له رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم. لكن الملائكة ستترفق به بحنان بالغ، بما يشير إلى أنه كان بالفعل في أصعب حالاته الإنسانية والنفسية.

في غزة الآن يوم عصيب، وأهلها الآن في أصعب حالاتهم الإنسانية والنفسية، يوم كأنه ذاك اليوم الذي جاءت الملائكة لتضع حدًا له، وللماضي السحيق كله الذي أتى به.

يوم تمدد في أكثر من 500 يوم ولا يزال، اليوم الواحد يحمل من البغي والطغيان والدم والحرمان ما يفوق وصف العصيب، والعجيب أنه منقول على الهواء مباشرة للعالم كله، البعيد والقريب!

ويا وجعاه من القريب الذي يرى ويصمت، ويعلم بأن الله يرى، أو لا يعلم.

لا نشك لحظة واحدة أن الرحمن الذي رفع السماء ووضع الميزان له تدبيره في الأمر كله، سواء مع هذه الفئة التي اختارت أن تكون مواجهتها للظلم والبغي تحت راية الرحمن، أو مع من اندمج في مؤامرة الصمت واختار جزاءه بنفسه، فليس للإنسان إلا ما سعى.

هذه قوانين وسنن وضعها الله خالق الكون للكون ومن فيه. فكل شيء مخلوق بقدر، تحرك يمينًا، تحرك يسارًا، لن تخرج من قدر الله إلا إلى قدر الله.

البشر كثيرًا ما حاولوا أن يفهموا ذلك ويشرحوه لأنفسهم ولمن حولهم، لكن الإنسان –كما سبق– به من الصفات الأرضية ما قد يطغى أحيانًا على الصفات السماوية، فنرى أمامنا “حيوانًا” يمشي على قدمين، وينطق في أغلب الأحيان بلسانين: لسان الكذب، ولسان تبرير الكذب.

خذ مثلًا إسرائيل، تواصل الضغط العسكري للقضاء على حماس وتحرير الرهائن، هذا كذب! فلا حماس مقضي عليها ولا الرهائن سيخرجون، والحقيقة سيقولها رئيس الأركان الجديد زامير: حين تضع هزيمة حماس وتحرير الرهائن في مواجهة بعضهما ستحدث إشكالية، لا يمكن تحقيق الاثنين معًا!

إسرائيل تضرب سوريا لحماية الأقليات “الدرزية”، هذا كذب! سموتريتش أحد كبار مجانين الثقافة الصهيونية، قال إننا سنعمل بكل قوة على تفكيك سوريا وتقسيمها، أنت عبيط كبير! فلا الأقليات ستجد حماية لها إلا في حضن الأغلبية، ولا سوريا ستشهد تقسيمًا ولا تفكيكًا، هذه حقائق وجودية.

سايكس بيكو 1916م قصة قصيرة مؤقتة، هم صنعوها صنعًا لكي تحقق لهم مطلبين وهميين: تعرية الأقليات من دفء الأمة، وتقسيم الأمة إلى قوميات. نهج مدروس ومخطط له، كما أسماه الراحل إدوارد سعيد: “استعباطي اعتباطي”. فكرة “الأمة” تحمل بذرتها المتجددة بداخلها (اللغة والحضارة والامتداد الجغرافي الموصول).

“طوفان الأقصى” جاء ليؤكد تلك الحقيقة النهائية، ووضع التاريخ أمام نفسه وأمامنا وأمام الدنيا كلها، وسنرى معنى “التراكم” في التاريخ، سنراه حقًا وصدقًا، يبني ويبني ويعلو ويعلو بعد هذا الطوفان الأصدق.

وقد رأينا صاروخ اليمن في قلب مطار بن جوريون أمس، بعد أن اجتاز أربع حوائط دفاعية، وجاء رجل من “أقصى القارة” ليقول إن ذلك رد على قصف سوريا ولبنان وغزة. أهلًا بحضرتك يا سيد “يحيى سريع” وعاشت الأسامي أيها اليماني النبيل. ورحم الله من كتب ولحن وأنشد: “أقول أُمّتي، يا رب أُمّتي”.

يقولون إن الجمال يبدأ ضئيلًا ثم يصير كبيرًا هائلًا. وما أجملك يا يحيى وأنت تقول: “قررنا فرض حصار جوي شامل على العدو الإسرائيلي”، والقادم أجمل وأجمل.

لكن هناك مزيدًا من التاريخ الذي يجب أن نتعلمه، وأيضًا مزيدًا من التاريخ الذي يجب أن نصنعه.

ما بعد اليوم العصيب سيكون إن شاء الله فتح قريب. لا حيلة لنا في هذه الحقائق، إنها حقائق كونية، وبسم الله مجراها ومرساها.

مقالات ذات صلة:

سنن التاريخ لا تدعو لليأس

في الصراع بين الأمم

عبقرية المقاومة

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. هشام الحمامى

رئيس المركز الثقافي اتحاد الأطباء العرب – عضو الأمانة العامة والمجلس الأعلى لاتحاد الأطباء العرب – مدير الشئون الطبية بقطاع البترول