ما المقصود بمتلازمة أسبرجر؟

يسمع الجميع وبصورة مستمرة عن مصطلح “متلازمة أشبرجر” (Asperger Syndrome)، والسؤال المطروح ما المعنى الحقيقي لهذه المتلازمة؟
اشتقت هذه التسمية من أعمال الطبيب النمساوي “هانز أسبرجر” في سنة 1944، فقد لاحظ وجود بعض الأطفال ينقصهم المهارات الاجتماعية، ويحصرون عقلهم بصورة جامدة في اهتمامات ضيقة جدًا. وبعد مرور ما يناهز الأربعين عامًا من أطروحات هانز أسبرجر صاغت الطبيبة النفسية البريطانية لورنا جلاديس ونج (Lorna Wing) مفهوم “متلازمة أسبرجر” وأدرجت هذه المتلازمة في الدليل التشخيصي الإحصائي الرابع للاضطرابات النفسية الصادر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي سنة 1994.
كانت متلازمة أشبرجر حتى سنة 2013 ضمن الإطار العام لما يعرف اصطلاحيًا في هذا الدليل والنسخة المعدلة منه بـ”الاضطرابات النمائية الشاملة أو المتغلغلة” (Pervasive Developmental Disorders)، حتى تغيرت التسمية ليصبح ضمن ما اصطلح على تسميته في الإصدار الخامس لهذا الدليل بـ”اضطراب طيف الأوتيزم (ASD Autism Spectrum Disorder)، ويرى ويسمع ويشعر ذوو متلازمة أسبرجر بالعالم بطريقة مختلفة تمامًا عن الآخرين، وعادة ما يشعرون بأن “متلازمة أسبرجر” تمثل بعدًا مركزيًا في هوية الذات لديهم.
وقد تتساءل عن كيفية تشخيص متلازمة أسبرجر؟!
يجدر الإشارة إلى أنّ خصائص متلازمة أسبرجر تختلف من شخص إلى شخص، رغم أن التشخيص يعتمد بالأساس على ملامح وخصائص مشتركة وعامة تتمثل بصورة جوهرية في: مواجهة الشخص لصعوبات في التواصل والتفاعل الاجتماعي مقترنة بأنماط سلوك واهتمامات وأنشطة تكرارية نمطية محدودة وضيقة جدًا، ولها تأثيرات سلبية ترتبط بمحدودية واختلالات جوهرية في الأداءات اليومية لأنشطة الحياة ومهامها.
وعليه ما الخصائص الأساسية لذوي اضطراب متلازمة أسبرجر؟
(1) التواصل الاجتماعي (Social Communication):
يعاني ذوو متلازمة أسبرجر صعوبات في تأويل اللغة اللفظية وغير اللفظية وتفسيرها، مثل تعبيرات الوجه ولغة الجسد ونبرة الصوت. ويوجد لديهم ما يشير إليه بـ”الفهم الحرفي” للغة ويميلون إلى أن الناس يعنون بالفعل ما يتلفظون به. وعلى ذلك ربما يعانون متاعب جوهرية في تفسير النكات والفكاهة والاستعارات والتعبير المجازي، والمفاهيم الغامضة والمجردة.
ورغم أن الأفراد ذوي متلازمة أسبرجر يمتلكون مهارات لغوية جيدة، فهم يواجهون كما أشير صعوبات في فهم توقعات الآخرين في أثناء الحوار معهم. على سبيل المثال: تكرار ما يقوله الشخص الآخر، أو عدم التوقف عن التحدث في موضوع واحد فقط يمثل اهتمامًا خاصًا بهم.
(2) التفاعل الاجتماعي (Social Interaction):
يعاني ذوو متلازمة أسبرجر صعوبات جوهرية في قراءة دلالات الهاديات الاجتماعية والانفعالية في أثناء التفاعل مع الآخرين، ويصعب عليهم فهم مشاعر وتفكير ونوايا ومقاصد الآخرين، من جانب آخر وفي أوقات كثيرة يواجه ذوو متلازمة أسبرجر صعوبات في التعبير عن انفعالاتهم ومشاعرهم، الأمر الذي يعوقهم عن التفاعلات الاجتماعية الإيجابية مع الآخرين، ويمنعهم من تكوين صداقات مع أقرانهم. وقد يتبدى عليهم ما يلي:
- عدم حساسية بالآخرين من حولهم.
- الانفراد بالذات والعزلة عن الآخرين عند التوتر والارتباك والحيرة.
- رفض محاولات الآخرين لتهدئتهم.
- التصرف بغرابة أو بطرائق غير متوقعة اجتماعيًا.
(3) السلوك التكراري والروتين (Repetitive Behaviour And Routines):
يحاول ذوو متلازمة أسبرجر تجنب الغموض ويقترن ذلك بالحاجة إلى التماثل والثبات والاستقرار وإمكانية التنبؤ بالسياق بمحتوياته المختلفة، وعليه يميلون إلى الروتين وعدم تقبل أي تغيير في إيقاع الظروف البيئية التي يعيشون فيها أو ترتيباتها للتمكن من التكيف معها.
تقترن خاصية الحفاظ على الروتين ورفض أي تغيير في بيئة التفاعل، بالميل إلى الانشغال القهري بسلوكيات تكرارية نمطية ربما رغبة في التخلص من القلق والارتباك والتوتر والضيق، وربما يفسر هذا الأمر ما يعرف بردود الأفعال الغريبة ونوبات الغضب والهياج السلوكي والانفعالي التي تعتريهم عند تغير ظروف أو سياقات تفاعلاتهم.
(4) الحساسية الحسية (Sensory Sensitivity):
تختلف ردود الأفعال للمثيرات الحسية لدى ذوي متلازمة أسبرجر، إذ يعاني بعضهم حساسية عالية ومرتفعة جدًا للمثيرات الصوتية، اللمسية، الشمية، التذوقية، الضوئية، واللونية، ودرجات الحرارة والألم، في حين يوجد لدى البعض الآخر حساسية منخفضة جدًا تجاه هذه المثيرات، وتقترن هذه الخاصية بالقلق الشديد أو الألم البدني الشديد، وربما تفسر ولع والانشغال القهري لدى بعضهم بالأضواء أو تدوير الأشياء.
ورغم هذه السلوكيات يوجد لدى بعض الأفراد من ذوي متلازمة أسبرجر مكامن قوى ومواهب وقدرات استثنائية فائقة ومدهشة، إذ يتمتعون بالتركيز الشديد والمثابرة وقدرة عميقة على إدراك الأنماط والإلمام بالتفاصيل بالغة الدقة في شيء محدد واحد فقط. وتتنوع هذه القدرات والمواهب والقوى الاستثنائية من طفل إلى آخر، والعامل الأساس في تنميتها واستثمارها يتوقف على اكتشافها وتعهدها بالرعاية والتنمية، عبر تحديد صيغ التدخلات التعليمية والإرشادية والعلاجية التي تشمل:
- العلاج المعرفي – السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy): بما له من تأثيرات علاجية فعالة في تخفيف القلق والمشكلات السلوكية الشخصية.
- التدريب على المهارات الاجتماعية (Social Skills Training): يساعد في تنمية مهارات الحوار والتحدث والتواصل وفهم الهاديات الاجتماعية.
- العلاج الكلامي (Speech Therapy): ويستهدف تنمية مهارات الكلام واللغة.
- العلاج الوظيفي (Occupational Therapy): ويستهدف مساعدة الأفراد على الاستقلالية والاعتماد على الذات.
شكل (2) التدخلات التعليمية والإرشادية والعلاجية لذوي متلازمة أسبرجر.
مقالات ذات صلة:
التأقلم مع التحديات .. أسر أطفال التوحد
الصورة الذهنية الإيجابية عن الذات لدى الأطفال
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا