
دعونا نقف أولا على أرض صلبة تكون بمثابة نقطة اتفاق وانطلاق وهى أن ” كل امرأة أنثى وليست كل أنثى امرأة. ” فى هذه العبارة ما يلفت أنظارنا إلى أنه هناك فرق كبير بين أن تكون المرأة أنثى وقد لا ترقى الأنثى إلى أن تكون امراة! وكيف ذلك؟
إن تلك الكلمات مثل ذكر وأنثى ما هى إلا تحديد النوع وللفصل بين خصوصيات كل منهما، إن ما يجعل الذكر رجلا هو فهمه لواجباته ومسؤولياته وتحكيم عقله وحكمته.. إلخ، والذى يجعل الأنثى امراة هو أيضا فهمها لنفسها ومعرفة واجباتها فتفعلها، وحقوقها فتتمسك بها وتدافع عنها لتحمى نفسها بما فى ذلك ضمانة لها من المحيط الذى تعيش فيه وتنتمى إليه حتى لا يتم تجريدها من كونها إمرأة وتحويلها إلى مجرد أنثى تلبى احتياجات مجتمع مادى لا يراها إلا أرض خصبة صالحة لجميع الاستخدامات، كالحلوى المكشوفة التى تتجمع عليها الحشرات ليأخذ كل نوع ما يريده منها.
كلنا قد سمعنا تلك الأصوات التى تعلو وترسخ لمفاهيم ومضامين جديدة لا نعلم لها أساس، وبأى منطق ومنهج يفكر هؤلاء حتى تكون النتيجة بهذه الصورة السطحية التى تدل على غزو فكرى واضح لا يعلمون إلى أى مدى سَتُوصلهم تلك المقدمات من نتائج، سواء من ابتدعوا تلك المفاهيم أو التابعين من الحضارات والشعوب الأخرى.
أم إنهم لا يريدون إصلاحا ولا خيرا للمجتمع الإنسانى ولا للإنسان مع نفسه على المستوى الشخصى، ومن أين يستمد هؤلاء أحقية تلك المفاهيم، وهل هى من إعمال عقولهم أم من شر أنفسهم واتباعهم لأهوائهم، يقولون أنهم لا يريدون إلا الحرية والتحرر وأن يكون الإنسان سعيدا، نعم هم يريدون الحرية ولكن حرية الجسد على حساب سجن روحهم وتقييد عقولهم وتحررا من كل فكرة تُمكن روح الإنسان وعقله من السيطرة على جسده فتكون النتيجة كما نرى الآن ولا داعى لذكر المواقف والدعوات والوقفات الاحتجاجية والغرف المغلقة لهؤلاء الذين وهبوا حياتهم لا لفهم أنفسهم وتحقيق ما خُلقوا فى هذه الحياة لأجله بل لنشر فوضى أخلاقية وحيوانية تطغى على الإنسانية، فمضمون الإنسان وجوهره هو عقله، فماذا لو غاب عقله وفقد السيطرة على ماديته فى رأيي لقد نجح هؤلاء لأنهم أخذوا بالأسباب وسنن الكون والتى تتمثل فى أنك إذا أردت تحقيق نتيجة فعليك أن تجمع تصورات ومقدمات ثم تنتظر النتيجة وإذا ما لم تحقق شيئا فعليك أن تغير مقدماتك أو أن تصحح تصوراتك للشئ، فهم فعلوا كل شئ ليجردوا المجتمعات من كل ثوابت حقيقية هى بمثابة حجر أساس في بنية هذه المجتمعات.
إن المكون الأساسى لأى مجتمع فاضل حر ومتحرر من قيود شهواته هى المرأة، فبحثوا عن كل شئ يريدون به تفريغ المرأة من مضمونها ومهمتها الحقيقية، فكرسوا كل جهودهم إلى إضافة مفاهيم جديدة لها، مفاهيم خاصة عن المساواة فى شتى المجالات، ودعوات خلع الحجاب، حتى أنه فى بعض الدول بالكاد تكون جميعها ظهرت دعوات تجنيد النساء فى الجيوش … إلخ، مساواة هذه أم ظلم وإهانة وإهدار لحقوقها؟! أليست هذه المرأة من قالوا عنها “رفقا بالقوارير”، أين الرفق إذن فى أن نجعلها كالرجل، أو أن نجعلها بمثابة شئ يتحرك يعرضون عليه سلعهم من ملابس وأزياء؟! أين الرفق فى أن نضع لها معايير للجمال مصطنعة لا نعلم من أين جاءت ونصرف نظرها عن المعنى الحقيقى لجمالها، فيبدوا أنهم فهموا أنها أساس كل شئ وهى نفسها لم تفهم بعد قدرها ومدى أهميتها، وإذا ما لم يكن هذا ما يريدونه فما معنى المساواة فى نظرهم إذا؟!
دعونا نعرض مثال صغير فى شكله وعدد حروفه ولكن فى مضمونه كبير ويحتاج عقودا لمعالجته، مثال يجسد معاناة حقيقية نعيش فيها تدل على انحراف وتشوه حقيقى فى نفوسنا جميعا إلا من رحم بسبب تلك المفاهيم اللقيطة عن الجمال وعن المرأة، فإذا نظرنا إلى أحوال الفئة العمرية المقبلة على الزواج وكيفية اختيارهم لمن يرون أنهم صالحين للزواج سنجد أن المعيار هو الجمال والمظهر ومدى تناسق الألوان والملابس التى تجسد مفاتنها والعكس صحيح ومثال آخر عندما جعلوها شيئا تافهاً وموجهاً نجده فى تلك البرامج والإعلانات تروج لسلعة عن طريق جذب انتباه هؤلاء الذين سيطرت عليهم ماديتهم، بدءا من تلك الإعلانات التى تتحدث عن الأغذية وصولا بها إلى الوقوف بجوار أحدث السيارات، فلا أبلغ من أن نقول أنهم شَرَوْها من روحها بثمنٍ بخس
دراهم معدودة.
إن الخاسر الوحيد بعد اتباع تلك المقدمات والدعوات العبثية هو المجتمع الإنسانى كله وليست المرأة وحدها، إنها خُلقت لأمر عظيم، نعم إنها حواء. التى تربى ويسكن إليها الرجل، وهى من تصنع رجالا يتحلون بالفضيلة التى تمكنهم من إقامة مجتمعات فاضلة، هى أم وزوجة ومُعلمة، فماذا إذا جردوها من أشياء بدونها لا تكون امرأة؟! فماذا ننتظر بعد ؟! ماذا ستكون النتيجة ؟
أيتها المرأة لا تكونى كما يريدون لكِ أن تكونى، ولكن كونى كما أراد الله لكِ أن تكونى، كونى حواء لآدم والذى قيل عنه أنه عرف من الأشياء ما عرف ولكن لم يقدم رسالته بدونك أنتِ، وخديجة لمُحمد سيد الخلق (صلى) عندما وجد الراحة والمأوى والاحتواء عند خديجة يوم أن شَعُر بآلم ومعاناة وحى السماء وثقله، لولاكى ماكنا جميعاً