مشهد مربك

في كواليس المسارح القديمة ثمة مشهد مربك كان يتكرر يوميًا، الممثل الذي أدى دور الإمبراطور أو الملك في تلك المسرحية التاريخية قبل دقائق يجلس أمام المرآة، يخلع التاج المهيب ليتذكر أنه محض قطعة بلاستيك مطلية بالذهب، يمسح مساحيق الهيبة عن وجهه ويتخلى عن عباءته الملكية ويضع صولجانه ثم يرى في المرآة رجلًا مختلفًا! محض ممثل عادي مرهق، له مخاوفه الصغيرة وفواتيره المؤجلة.
لقد انتهت المسرحية وانطفأت الأضواء. الديكورات التي منحت هذا الرجل مؤقتًا وهم العظمة قد فقدت سحرها بلمسة زر أطفأت أضواء المسرح. منذ دقائق كان الجميع يناديه مولاي والآن ربما لا يقول له أحدهم مرحبًا إذا رآه قادمًا أو حتى يمد يده لمصافحته!
ذلك المشهد الصغير يمثل “بروفة” مصغرة للمشهد الأخير الذي ينتظر البشرية في لحظة تنطفئ فيها أضواء الدنيا، وتتساقط ديكوراتها المصنوعة من الوهم، ويخرج الإنسان من الدور الذي ظل يؤديه حتى صدقه. لحظة ترفع فيها سورة غافر الستار عن المشهد الختامي حين يبرزون جميعًا للحساب في يوم التلاق: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16)﴾.
تأمل الكلمة: بارزون. كلمة قصيرة، لكنها تخلع عن المشهد كله ستائره. بارزون، خارجون إلى العراء، لا يحجبهم شيء ولا يسترهم شيء ولا يختبئ وراءهم شيء.
في الدنيا يستطيع الإنسان أن يصنع لنفسه مساحات كثيرة للاختباء والتجمل والتنكر: بيت يغلق بابه، هاتف يحذف منه ما لا يريد لأحد أن يراه، وجه يتقن الابتسام حين يكون الداخل في حالة أخرى تمامًا، سمعة يحرص عليها أمام الناس حرصه على حياته، أعذار واهية يرتبها بعناية حتى يصدقها هو نفسه.
وقد ينجح الإنسان في إخفاء أشياء عن أقرب الناس إليه، وربما ينجح مع مرور السنوات في إخفائها عن نفسه أيضًا، يدفنها في زاوية مظلمة من ذاكرته، ويضع فوقها طبقات من النسيان، حتى يبدو له كأنها لم تحدث قط. لكن هناك يومًا لا تنفع فيه هذه الحيل الصغيرة: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾.
لا قصر يحجب صاحبه، لا مال يشتري له ستارًا، لا منصب ولا اسم كبير يستطيع أن يطلب من الحقيقة أن تتأخر قليلًا، ولا تلك الغرفة الداخلية في النفس التي ظن صاحبها أنه أغلق بابها إلى الأبد.
كل شيء هناك مكشوف عند من لا تخفى عليه خافية، أن يأتي يوم لا يبقى فيه للإنسان ذلك الوهم الذي عاش به طويلًا، أن ما لم يره الناس لم يكن موجودًا.
هنالك تتساوى الواجهات: الملك والفقير، المشهور والمجهول، صاحب القصور والفيلات ومن كان يسكن غرفة صغيرة مستأجرة. كلهم بارزون.
ثم يأتي السؤال الذي يمثل تمهيدًا للإعلان الأخير الذي يسقط كل وهم سبقه: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟
في الدنيا كانت الإجابات كثيرة، والمسرحيات كثيرة. هذا ملك فلان، هذا صاحب النفوذ، هذا يملك المال، هذا يملك العلاقات، هذا يستطيع أن يفتح الباب، ذاك يستطيع أن يغلقه.
كانت الدنيا توزع أوهام الملك بسخاء، حتى كدنا نصدق أن للأسباب سلطانًا مستقلًا، وأن للناس من الأمر شيئًا، ثم ينتهي كل شيء بذلك السؤال، تسقط الأسماء من فوق الأشياء، وتعود الأشياء إلى حقيقتها الأولى حين تعلن الإجابة الحقيقية القاطعة: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.
كانت هذه هي الإجابة منذ البداية، لكننا أطلنا الوقوف أمام الرتوش والأصباغ حتى خيّل إلينا أن للزينة حقيقةً أخرى. كل ما حولنا كان يلمع فوق الحقيقة ويغطيها قليلًا، حتى يأتي ذلك اليوم فيمسح عنها كل الطلاء، وتبقى الحقيقة الوحيدة كما كانت دائمًا: الملك اليوم وكل يوم للّه الواحد القهّار. الله الواحد الذي لا شريك له في ملكه، الله القهار الذي لا يخرج شيء عن قهره وسلطانه.
كم من شخص قضى عمره يحرس شيئًا ظنه يكفيه، فإذا به يموت ويتركه في يد من يأتي بعده؟ وكم من إنسان أرهق قلبه في معركة على مكانة أو كرسي، ثم جلس عليه بعده من لم يكن يعرف بوجوده أصلًا؟ وكم من ضعيف خاف مملوكًا لله خوفًا أكبر مما وجهه للملك الحق سبحانه؟ وكم من طامع رجا عبدًا عاجزًا أكثر مما رجا من بيده الأمر كله؟
الإنسان يجمع مفاتيح كثيرة في يده، ثم يكتشف متأخرًا أنه لم يكن يملك البيت أصلًا.
وهنا تأتي معاني صفة “الواحد” لتعيد ترتيب الفوضى في القلب، واحد في ملكه، واحد في ألوهيته واستحقاقه للعبادة، واحد يصرف له الخوف والرجاء والدعاء، ولا يجعل معه فيها شريك.
ثم تأتي صفة “القهار” لتضع كل ما انتفخ في أعيننا في حجمه الحقيقي: المال سبب، والمنصب كذلك، والناس أسباب، والقوة محدودة مهما تدثرت بالألقاب. أما القهار جل جلاله فلا ينازعه أحد في ملكه، ولا يعجزه شيء، ولا يفلت من سلطانه أحد.
لذلك جاء الوحي ابتداء لينذر الإنسان قبل أن يخرج بارزًا، يعرّفه بالملك الحق قبل أن يقف بين يديه، من ثم يسأل المرء نفسه وهو ما يزال في الدنيا: لمن كان خوفه؟ ولمن كان رجاؤه؟ ولمن كان دعاؤه؟ ومن الذي كان قلبه يظن أن مستقبله معلق بيده؟
قد ينسى الناس اسم الإنسان، وقد يأتي بعده من يجلس في مقعده ويسكن بيته ويحمل لقبه. وقد تختفي صورته من الشاشات ويخفت صوته في ذاكرة الذين كانوا يصفقون له. لكن ذلك كله تفاصيل صغيرة أمام الحقيقة الكبرى التي هي إجابة السؤال الختامي ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟
مسرحيات الدنيا ستنتهي، الأضواء ستنطفئ، الأصباغ ستزال، وحين يسقط آخر ستار، لن يبقى في المشهد إلا الحقيقة، حقيقة ملك اللّه الواحد القهّار.
مقالات ذات صلة:
الإلحاح في الدعاء سرًا للاستجابة
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.