إصداراتمقالات

لماذا نتزوج (2)

بعد المقدمات السابقة في المقال السابق ننظر في أمر الزواج، فلماذا الزواج؟

من الناحية المعرفية الكلية فإن العقل يحكم كما سبق عموما بالاحتياج للاجتماع الإنساني، وأنه ضروري لتحقيق الكمالات الوهمية والحقيقية.

كما يثبت الحاجة للكمالات الحقيقية لتحقيق السعادة الحقيقية في الحياة الحالية والأخرى، ويثبت الحاجة للكمالات الشهوية والجسدية لبقاء الحياة واستمرارها والتي هي ضرورية لتحصيل الكمالات الحقيقية.

وأن هذا الاجتماع يحتاج للعدل في نفوس المجتمعين وبين بعضهم البعض كي يحقق هدفه.

لكن الصورة الجزئية الفضلى لهذا الاجتماع وكيفيته وتنظيمه من أجل تحقيق العدل؛ فهي من المناطق الجزئية التي لا يملك العقل أمامها وحده دليلا صحيحا، لكن لما ثبت وجود المبدأ الحكيم للكون ورسالاته، وأن هذه الرسالات بها النظام التشريعي الأمثل والمتوافق مع النظام التكويني؛ فإن الصورة الجزئية لهذا الاجتماع تؤخذ من هذا التشريع.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وقد دل هذا النظام التشريعي على “الزواج” كشكل للعلاقة بين الجنسين، وهي ضرورية تكوينا لبقاء النوع البشري، وكلبنة للاجتماع البشري عموما، وكخطوة لتكامل الأفراد.

وبالتالي فمن الناحية المعرفية الجزئية فإن التشريع الإلهي هو الذي أمر بالاجتماع في هيئة الزواج، ونظّمه ووضع له قوانين لتحقيق العدل لأفراده ولكي يحقق هدفه.

أما من ناحية الدوافع الفردية؛ فإن الدوافع الشهوية الدافعة للكمالات الوهمية، والدوافع العقلية الهادفة للكمالات الحقيقية، وأيضا للحصول على التقدير والحب والاهتمام والحاجة للاجتماع؛ هذه كلها دوافع الفرد للزواج.

والزواج جزء من الحياة وجزء من أفعال الإنسان، لذلك فالغاية منه ببساطة يجب أن تكون تابعة طولا لغاية الإنسان من حياته ككل، ولما ثبت كما سبق أن كمال الإنسان الحقيقي وسعادته الحقيقية هما القرب من مبدأ الوجود، وذلك عن طريق العلم الحق والعمل الخيّر-فإن الغاية من الزواج يجب أن تكون في طول ذلك.

فالغاية الأساسية للزواج يجب أن تكون تحقيق التكامل الحقيقي للفردين في القرب من مبدأ الوجود، وألا يعطل الزواج تكاملهما علما أو عملا بل يساعدهما ويدفعهما إليه، وبالمثل أيضا في التكامل الحقيقي للأبناء. ثم يأتي بعد ذلك التكامل المادي والجسدي للفردين وللأسرة المكونة بما يحقق حد الكفاية كما أسلفنا في المقال السابق.

كما أن اختيار شريك الحياة يجب أن يكون أيضا داخلا تحت نفس المقدمات، فمواصفاته هي أن يساعد في تحقيق الفرد لتكامله الحقيقي في المرتبة الأولى، ثم تكامله المادي والجسدي.

وهو أيضا الذي يقدر على تكوين الأسرة، وتحقيق التكامل الروحي ثم الجسدي للأبناء، عن طريق التعليم والتربية والتهذيب، والعناية بملبسهم ومأكلهم ومشربهم. وأن التكامل الحقيقي للأبناء أيضا مقدم على ذلك المادي أو الجسدي، أما جزئيات تربية الأبناء وتعليمهم فتؤخذ من النظام التشريعي الأصلح. وما سبق يتحقق بأن يتمتع شريك الحياة بالكمالات الحقيقية مثل معرفة الحق واعتقاده ومعرفة الخير والعمل به، والجزء الخاصة بمعرفة الخير والعمل به أو التحلي بالأخلاق شديد الأهمية في هذه العلاقة لتأثيرها الدائم على الفرد، ولتأثيرها الدائم والمستمر على أفراد جدد في المجتمع هم الأبناء.

وبالتالي فالاعتقادات والأخلاق يلعبان دورا محوريا في الزواج، ولهما الأولوية على كل ما عاداهما، فالزيجات التي لا يتمتع طرفاها مثلا بالقدر الكافي من الكمالات الأخلاقية مثل الحلم والصبر والتضحية؛ تصبح زيجات شديدة التعاسة.

كما يجب الالتفات إلى أن المجتمع المحيط بشريك الحياة له دور في تحديد شخصيته، فهو يتفاعل معه روحيا وماديا بدرجة كبيرة، ويدخل في ذلك المجتمع أهله وأصدقائه.

أما في جزئيات مواصفات هذا الشريك فتؤخذ من التشريع الإلهي.

أما عملية الاختيار نفسها والتأكد من تماشي مواصفاته مع تلك المدركة عقلا ونصا؛ فتعتمد على استقراء معارفه وأفعاله، ومحاولة تجريب صفاته وأخلاقه في الظروف المختلفة، والسماع عنه من خبر الثقة ومن خبر الكثيرين، وبالمثل عن البيئة المحيطة به، واستعمال جزئيات التشريع.

هذا عما ينبغي أن يكون طبق المقدمات السابقة، أما إن حدث انحراف عنها فطبقا لما سبق فإن الدوافع للزواج فستكون إما من أجل شهوات مختلفة كالجسدية والمالية والحظوة المجتمعية، أو غلبة وسطوة ما، أو رغبة في دفع الوحشة والبقاء فردا، أو بعض الكمالات العقلية الأقل مثل نيل الاهتمام والحب لذاتهما.

كما سيكون الاختيار بناء على أهواء تحقق تلك الرغبات وليس متماشيا مع المقدمات العقلية أو التشريعية.

أما التعامل بين الزوجين فبشكل كلي يجب أن يهدف لتحقيق العدل في نفسيهما ولكليهما، مراعيا التشابهات التي بين الجنسين من ناحية والاختلافات التي بينهما من أخرى. وأساسه المتين الراسخ هو أن يراعي الأخلاق ومكارمها، أما جزئياته فمن النص الإلهي أيضا.

وأما كيفية فهم الطرف الآخر فهي تعتمد على أمرين، الأول خاص بالحوار والثاني خاص بالتعامل.

ففي الحوار يحتاج كل طرف إلى سؤال الآخر عما يحتاج معرفته، وأن يعمد أيضا إلى الحديث عما يحتاجه من الطرف الآخر وما يتوقعه منه، فليس ممكنا أن يعلم أحد ما في نفس الآخر تماما ودائما وخاصة في البداية، فمعرفة ذلك تتطلب إحاطة بالعلة وهي نفس الطرف الآخر وهو غير ممكن لنا. ولذلك يجب أن يتم بذل الجهد عن طريق المعلولات، وهي وسائل التواصل والتفاهم المختلفة والحوار الواضح كي يفهم كلاهما الآخر بوضوح.

كما يجب أن يري ويراقب كل منهما تصرفات وسلوك الآخر في فترة التعارف والفهم، ويتم ذلك كما سبق عن طريق التجريب في الظروف المختلفة؛ وليس الاستقراء الساذج.

إننا نتزوج لاحتياجنا التكويني العقلي والجسدي، وللأمر التشريعي، مدفوعين بقوى أنفسنا، هادفين إلى التكامل والسعادة، مستعينين في ذلك بالعقل والنص والخبر والتجريب، باحثين عمن يشاركنا أفكارنا وغاياتنا وأهدافنا، ومن يسعى للتفاهم المتبادل، ويحقق تطلعاتنا وآمالنا، ويحقق التفاهم والاحترام والحب والتقدير، ويسعى للعمل بمحاسن الأخلاق ومكارمها وجهاد النفس والعمل بجزئيات التشريع.

يُتبع…

أحمد عزت

د. أحمد عزت

طبيب بشري

كاتب حر

له عدة مقالات في الصحف

باحث في مجال الفلسفة ومباني الفكر بمركز بالعقل نبدأ للدراسات والأبحاث

صدر له كتاب: فك التشابك بين العقل والنص الديني “نظرة في منهج ابن رشد”

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

حاصل على دورة في الفلسفة القديمة جامعة بنسفاليا