هل تغيرت أولويات المصريين؟

كل جيل يعتقد أن الجيل الذي يليه أقل اهتمامًا بالقضايا الكبرى، وأكثر انشغالًا بنفسه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تغيرت بالفعل أولويات المصريين؟ وهل انصرفوا عن القضايا الوطنية والقومية إلى همومهم الشخصية؟ أم أن الظروف هي التي أعادت ترتيب سلم الاهتمامات؟
في تقديري، المشكلة ليست في تغير الانتماء، وإنما في تغير الواقع. فالإنسان، أيًّا كان، يعيش وفقًا لما تفرضه عليه ضرورات الحياة.
وعندما تصبح تكلفة المعيشة هي الهاجس اليومي، ويبدأ الصباح بحساب الأسعار وينتهي بالبحث عن كيفية تدبير احتياجات الأسرة، فمن الطبيعي أن تتقدم القضايا المعيشية على غيرها. ليس لأن القضايا الكبرى فقدت قيمتها، وإنما لأن الحياة اليومية أصبحت أكثر إلحاحًا.
ولو عدنا إلى التاريخ، لوجدنا أن المجتمعات في أوقات الرخاء كانت أكثر قدرة على الانشغال بالسياسة والثقافة والشأن العام، في حين تدفعها الأزمات الاقتصادية إلى التركيز على همومها المباشرة.
وهذه ليست أنانية، وإنما استجابة طبيعية لضرورات الحياة.
لقد كان المواطن المصري، في مراحل مختلفة، يتابع الشأن العام بشغف، ويخوض النقاشات بشأن قضايا المنطقة، ويشعر بأن ما يحدث خارج الحدود يمسه بصورة أو بأخرى.
أما اليوم، فقد أصبح السؤال الأول لدى كثيرين: كيف أستطيع أن أعيش حياة كريمة؟ وكيف أوفر احتياجات أسرتي؟ وكيف أضمن مستقبل أبنائي؟
وهذا التحول لا ينبغي تفسيره باعتباره تراجعًا في الانتماء، بل باعتباره تغيرًا في ترتيب الأولويات. فالانتماء ليس شعارًا يرفع، وإنما شعور يستقر في الوجدان. وقد يبقى هذا الشعور حاضرًا حتى وإن لم يتصدر الأحاديث اليومية.
ومن الخطأ أن نقيس اهتمام الناس بالقضايا الكبرى بعدد المنشورات التي يكتبونها، أو بطبيعة الأحاديث التي تدور بينهم.
فالإنسان الذي ينشغل طوال يومه بتدبير نفقات أسرته لا يعني ذلك أنه فقد اهتمامه بوطنه أو بمجتمعه، وإنما يعني أن الضغوط دفعت به إلى دائرة أكثر ضيقًا فرضتها عليه ظروفه.
ومع ذلك، فإن هذه الظاهرة تستحق التأمل. فالمجتمع الذي ينحصر اهتمامه في الشأن المعيشي وحده قد يفقد، مع مرور الوقت، جزءًا من حيويته العامة.
فالأمم لا تعيش بالاقتصاد وحده، كما لا تعيش بالشعارات وحدها. إنها تحتاج إلى توازن بين تأمين احتياجات الإنسان اليومية، وبين الحفاظ على اهتمامه بالشأن العام.
لأن المواطن لا ينبغي أن يتحول إلى محض مستهلك يبحث عن لقمة العيش، بل إلى شريك في صناعة مستقبل بلده.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع أن يشعر أفراده بأن القضايا العامة لم تعد تعنيهم، أو أن تأثيرهم فيها أصبح معدومًا. فعندئذ يتراجع الإحساس بالمشاركة، ويحل محله الاكتفاء بالنجاة الفردية.
لكنني لا أعتقد أن المجتمع المصري وصل إلى هذه المرحلة. فما زال يمتلك قدرًا كبيرًا من الحس الوطني، وما زالت الأحداث الكبرى قادرة على استدعاء اهتمامه، وإن كان هذا الاهتمام يظهر على فترات، ثم يتراجع أمام ضغوط الحياة اليومية.
ولهذا، فإن السؤال الأدق ليس: لماذا تغير المصريون؟ بل: ماذا فعلت الظروف حتى أعادت تشكيل أولوياتهم؟
إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أكثر أهمية من الإجابة عن السؤال الأول، لأنها لا تحاكم الناس على اهتماماتهم، بل تحاول أن تفهم الأسباب التي صنعتها. وهذا هو الفارق بين إطلاق الأحكام، وقراءة الواقع.
ولعل ما يحتاجه المصريون اليوم ليس أن يلاموا على ما يشغلهم، بل أن تتوافر لهم الظروف التي تسمح لهم بأن ينظروا أبعد من هموم يومهم. وأن يستعيدوا ذلك التوازن بين ضرورات الحياة ومقتضيات المشاركة في الشأن العام.
فهذا هو الفارق بين مجتمع ينشغل بالنجاة، ومجتمع يمتلك القدرة على التفكير في مستقبله!
مقالات ذات صلة:
لماذا لم نعد نهتم بالقضايا الأساسية؟
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا