الموريسكيون وصيام شهر رمضان

الموريسكيون هم المسلمون الأندلسيون الذين أجبروا على اعتناق المسيحية بعد سقوط غرناطة (1492م)، وعاشوا تحت حكم الممالك المسيحية في إسبانيا مع ممارسة الإسلام سرًا (التقية). واجهوا اضطهادًا وحشيًا من محاكم التفتيش، وانتهت مأساتهم بالطرد الجماعي (1609م-1613م) إلى شمال إفريقيا. تركوا إرثًا ثقافيًا وفنيًا مميزًا (المدجن) وتمركزوا على نحو رئيسي في بلنسية وتاج واراغون.
المعاناة ومحاكم التفتيش
تعرضوا لرقابة من محاكم التفتيش لضمان اندماجهم. وشمل مراقبة عاداتهم، ولغتهم وملابسهم. أجبروا على تبني أسماء مسيحية وعاشوا أزمة هوية حادة (مسلمون في القلب، مسيحيون في الظاهر)
الإرث والاندماج
كان للموريسكيين أثر بارز في تطوير الزراعة والعمارة في شمال إفريقيا (مثال مدينة تستور في تونس). تشير الدراسات حاليًا إلى نسبة كبيرة من الإسبان (7% -10%) ينحدرون من أصول موريسكية. نشأت حديثًا حركات تدافع عن حقوقهم وتطالب برد الاعتبار والاعتراف بانتهاكات الماضي.
كيف كان المورسيكيون يقضون شهر رمضان في ظل هذا الاضطهاد؟
كان الموريسكيون (المسلمون الذين أجبروا على اعتناق المسيحية ظاهريًا بعد سقوط الأندلس) يمارسون شعائر شهر رمضان بذكاء وحذر شديدين لتجنب ملاحقة محاكم التفتيش، التي تعد الصيام دليلًا قاطعًا على “الردة” وعقوبتها الحرق.
وهذه أبرز الطرق التي اتبعوها لقضاء الشهر الفضيل في ظل الاضطهاد:
الصيام السري والتقية
لجأ الموريسكيون إلى فتوى وهران الشهيرة عام 1504م، التي أباحت لهم مخالفة الظواهر الإسلامية عند الضرورة القصوى، كانوا يصومون نهارًا في حين يظهرون في المجتمع كأنهم مفطرون.
حيل الإفطار والسحور
التظاهر بالأكل: كانوا يحملون الطعام في أيديهم عند السير في الشوارع أو يضعون فتات الخبز على ملابسهم ولحاهم لإيهام الجيران والمراقبين بأنهم أكلوا للتو.
السحور الصامت: كان سحورهم في ظلام دامس وبلا صوت، إذ يتعاقدون أحيانًا مع شباب موثوقين للطرق على الأبواب بخفة شديدة لتنبيه العائلات دون لفت الأنظار.
الهروب إلى العمل الشاق
كان الرجال يتعمدون العمل في الحقول النائية أو الجبال في شهر رمضان، حيث يبعدون عن أعين الرقباء، مما يتيح لهم الصيام بحرية والعودة إلى منازلهم وقت المغرب بحجة التعب من العمل.
مواجهة “اختبارات الإخلاص”
كانت محاكم التفتيش تطوف بالخمر ولحم الخنزير في نهار رمضان وتجبر المشتبه به على تناولها، وفي هذه الحالة كان الموريسكيون يضطرون لتناول قليل جدًا لإنقاذ حياتهم مع استعمال نية الصيام قلبيًا.
الاجتماعات السرية
كانت تجمعات “المدارسة” تُجرى في أقبية المنازل ليلًا، إذ يقرأ “الفقيه” (القائد الديني السري) القرآن والأدعية بالعربية المكتوبة بأحرف لاتينية لضمان استمرار الهوية الدينية.
رفض الدعوات الاجتماعية
كانت الوشاية أكبر خطر يواجههم، فرفض دعوة الجار “المسيحي القديم” لتناول الطعام في نهار رمضان كان كافيًا لسوق الأسرة بأكملها إلى المقصلة، لذا كانوا يعتذرون بأعذار طبية أو يضطرون للحضور والتظاهر بالأكل.
تقديرًا لصمودهم، استمر الموريسكيون في ابتكار أساليب مذهلة للحفاظ على روحانية رمضان، فكان شهر رمضان الكريم عندهم معركة “بقاء الهوية” أكثر من محض عبادة:
حيلة “الستائر المغلقة”: كانت العائلات تغلق النوافذ والستائر بإحكام عند الإفطار، ويتجنبون إشعال الأضواء القوية أو إصدار أصوات الأواني، حتى لا يشك الجيران في توقيت اجتماع الأسرة على الطعام.
خداع الروائح: لتجنب انبعثات روائح الطهي التي قد تشي بتجهيز وجبة الإفطار في وقت محدد، كانوا يطبخون كميات من الطعام في أوقات عشوائية من النهار ثم يبردونها، أو يطهون أطعمة لا تصدر روائح نفاذة.
التوقيت القمري السري: نظرًا لمنع التقويم الهجري، كان “خبراء الفلك” من الموريسيكيين يراقبون الهلال من أماكن مرتفعة ونائية، ثم ينقلون الخبر عبر رموز مشفرة بين القرى (مثل استخدام ألوان معينة من الملابس المنشورة على الحبال) لإعلام الناس ببداية الشهر الكريم.
الوضوء المتخفي: كان الوضوء من أكبر التحديات، إذ كان الاستحمام أو غسل الأعضاء على نحو متكرر دليلًا على “الهرطقة”. لذا كانوا يتوضؤون تحت غطاء غسل الأواني أو التنظيف المنزلي، وأحيانا كانوا يكتفون بالمسح الخفيف جدًا.
صلاة التراويح الصامتة: كانت تقام في أقبية المنازل (السراديب)، حيث يجتمع عدد قليل جدًا من الموثوقين، ويصلون دون جهر بالقراءة، في حين يقف أحدهم عند مدخل الزقاق لمراقبة أي حركة مريبة لرجال محاكم التفتيش.
تعليم الأطفال: كان رمضان فرصة لتعليم الأطفال دينهم سرًا، إذ يخبرونهم بأن هذا “صيام الأجداد” مع تحذيرهم الشديد من ذكر أي شيء أمام أقرانهم في الخارج، لأن زلة لسان من طفل كانت تعني هلاك العائلة.
في الخاتمة
لقد كان شهر رمضان الفضيل عند الموريسكيين تجسيدًا لمبدأ “الإيمان في القلب”، إذ سقطت المظاهر وبقي الجوهر تحت وطأة واحدة من أقسى فصول الاضطهاد في التاريخ.
مقالات ذات صلة:
تاريخ العنصرية واليمين المتطرف في أوروبا والغرب
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا