الغرب يهزم نفسه .. قضية إبستين

كثيرون يربطون بين التصعيد الحالي في الشرق الأوسط، وما سيتبعه من زلزال حقيقي في العلاقات الكبرى بين الدول الوازنة (روسيا والصين وأمريكا وبالطبع أوروبا)، وخروج فضائح إبستين عن السيطرة بعد الإفراجات الأخيرة عن ملايين الوثائق التي ظهر فيها عشرات الأسماء من السياسيين والعائلات الملكية.
ويبدو بالفعل أنه كذلك، وما نراه من ظواهر المشاهد تقول ذلك، فالافتعال كان واضحًا جدًا في قصة إيران، وأمريكا لا يعنيها متظاهرين هنا أو هناك، ثم إن الفضائح التي تتالى وتتوالى من قصة إبستن من العيار الثقيل جدًا والمقزز جدًا.
ظهرت في الغرب حالات عديدة من الانحلال الأخلاقي والفساد، يكون فيه حضور كبير للمال والسياسة والنفوذ، وكان الموضوع يمر مرورًا عابرًا، لأنه لم يكن بهذا الاتساع والشمول كله ولا بهذه القذارة والعفن كله.
لذلك كان التهديد الذي أعلنته هيلاري كلينتون تهديدًا في محله تمامًا، وهي المرأة التي شهد زوجها فضيحة أخلاقية عارمة في أثناء حكمه.
قالت من أيام قليلة بعد دعوتها وزوجها للشهادة أمام الكونجرس بخصوص فضائح إبستين: “فلنكف عن الألاعيب. إن كنتم تريدون هذه المواجهة، فلتكن في العلن أمام الجميع، تتحدثون عن الشفافية، فلتكن جلسة استماع علنية أمام عدسات الكاميرات، سنكون هناك!”.
وهو ما فسره بعضهم على أنه إما الصمت المتبادل أو الفضيحة الشاملة، فالجميع متورط، والجميع قابل للحرق! هذه حالة لم تشهدها الحضارة الغربية من قبل، إنهم يهزمون أنفسهم بأنفسهم، أمام الدنيا.
القضية تتجاوز المشاركين في ارتكابها، الذين يتوزعون على المؤسسات الغربية العلمية والسياسية والثقافية كلها، وفي القصور الملكية الأوروبية!
وقد تتجاوز ضحاياها إلى ما هو أخطر، إلى آلاف الجرائم التي ارتُكبت أمام أعين الأجهزة الرقابية والقضائية لسنوات وسنوات.
سيكون هامًا أن نتذكر أن المشروع الحداثي الغربي قدم نفسه للتاريخ بوجهه الأخلاقي أولًا (بعد الإصلاح الديني)، ثم جاء الجانب التكنولوجي والثورة الصناعية والاكتشافات البحرية.
وكان في القلب من ذلك المشروع فكرة أن الإنسان سيد القيمة والفكرة ومركز العالم.
استلهم الغرب أفكار الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (ت/1704م( الذي كتب عن الحقوق الطبيعية للبشر التي تسبق السلطة، وأكد أن وظيفة الحكم حماية الفرد وحريته.
ثم جاء الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (ت/1804م) وأعلن أن الغاية في الحياة تحقيق الكرامة الإنسانية، وأن الأخلاق تنبع من واجب احترام الإنسان لكونه إنسانًا.
ثم جاء الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت ميل (ت/1873م) الذي أكد أن الحرية شرط لازدهار الحقيقة.
حماية الفرد وحريته وكرامته وازدهار الحقيقة، كلام رائع، يرسم صورة مثالية لمنظومة أخلاقية تبشر بالشفافية، وتفاخر بسيادة القانون، وتقدم أبرز مميزاتها وهي قدرتها على تصحيح أخطائها ذاتيًا من الداخل! فالحرية تحمى الحقيقة، وهذا صحيح بالطبع ويعكس أحد أهم الوجوه لمعنى “لا إله إلا الله”.
لكن العالم لم ير شيئًا من هذه المثاليات، شهدنا حربين عالميتين (1914/1937م) قتل فيها ملايين من البشر، شهدنا احتلالات وتقتيل للبشر الذين يطلبون الحرية والحقيقة والكرامة، شهدنا انقلابات عسكرية مصممة لمصالح تخدم النخبة التي بدأت تتحوصل بعد الحرب العالمية الثانية، وتجمع في يديها المال والنفوذ والخطاب التبريري المفتوح على الكلام الفارغ.
في البداية منح المشروع الغربي المعرفة سلطة أخلاقية، لذلك اكتسبت الجامعة والمعمل ومراكز البحوث والدراسات مكانة عالية، بصفتها مصدرًا للحقيقة والمعرفة، وتمنح من ينتمي إليها شرعية أخلاقية محصنة.
ثم ظهرت لغة القيم التي تُستدعى لتجميل السلطة والحكومات، وسمعنا كثيرًا كلمات ومصطلحات مثل الإبداع والتقدم والروح الإنسانية والمثالية، دروعًا لهذه السلطة.
في قضية إبستين تصايحت الأصوات سائلة في دهشة داهشة: لماذا هذا الصمت كله؟
لم تكن الصدمة الأولى التي أحدثتها تلك القضية صدمة أخلاقية من الدرجة الأولى بل صدمة خطاب.
فالناس التي تعودت على أن هناك قصة كاملة مكتملة عن عالم المؤسسات الشفافة، والقانون الذي فوق الجميع، حاولوا طمأنة الناس بأن الانحرافات الفردية، مهما كانت فادحة، ستصحح داخل المنظومة، لكنها هذه المرة كانت شاملة شمولًا شميلًا!
والناس عادة تحتاج إلى “قصص قابلة للتصديق” كما يقولون، لتحافظ على تماسكها وتعايشها مع الواقع، لكن حين تتكرر الوقائع وتتسع وتشمل هذه الأطراف كلها كما في تلك القضية، تتحول الصدمة إلى شرخ عميق في الثقة بكل شيء.
وفي هذه اللحظة، تصبح الفضيحة لحظة تعرية أخلاقية ومعرفية وحضارية شاملة، وليس محض فشل أخلاقي أو انحراف فردي، فهي تظهر كيف يمكن لمنظومة أن تحافظ على خطابها الأخلاقي القديم وفي الوقت نفسه تفقد قدرتها على إقناع الناس بها.
إنها اللا مبالاة بالحقيقة! وهي حالة تمثل حالة ما بعد الكذب نفسه!
الفيلسوف الألماني هابرماس الذي كتب لنا عن مجتمعات “ما بعد العلمانية” حذر كثيرًا من خطر استعمار عالم الحياة تحت ضغط ثنائية المال/النفوذ، حين تهيمن الأنظمة الاقتصادية والإدارية على الوعي الأخلاقي والمعرفي وعالم التواصل بين الناس لتجعل الناس تتعايش مع متناقضات كثيرة تراها حولها وتعيش في قلبها.
إن ملف إبستين لا يمكن أن يكون قضية أخلاقية وسياسية عابرة، بل سيكون له تأثير كبير في شكل العالم الغربي وسياساته ومؤسساته، لما يحمله من تداعيات عميقة تتصل بتكوين النظام نفسه.
إنها العورة القبيحة لنظام عالمي لا يدار بالسياسة فقط، بل بالابتزاز الأخلاقي والجريمة المنظمة.
هذه الكارثة كانت تحتاج إلى المفكريْن الكبيرين علي عزت بيجوفيتش (ت/ 2003م) ود.عبد الوهاب المسيرى (ت/ 2008م)، لنسمع منهما ما قرأناه تفصيليًا فيما كتباه عن هذا السقوط المخزي لفكرة الحضارة الغربية التي لا يمكن أن يسجلها التاريخ الإنساني على أنها حضارة، فلطالما أكدا لنا أن القصة ليست قصة تقدم تكنولوجي وتقني، القصة قصة “الإنسان”.
ومما لفت النظر لدينا أن بعض الأصدقاء الذين رأوا في هذه الكارثة حالة انحلال أخلاقي مقززة شكروا الله كثيرًا على نعمة الأخلاق التي هي أكثر ما يميز الإسلام.
“أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا”.
ولدينا مفهوم عبقري يقول: “إنما الدين الخلق، فمن زاد عنك في الخلق زاد عنك في الدين”، والعكس صحيح.
وإذا ببعض المتربصين بالحالة الإسلامية ينهالون عليهم بالتطاول البذيء ويرون في فضيحة إبستين ما يفتقده عالم الإسلام من غياب الشفافية والقدرة على المحاسبة، كأن غياب هذه الإجراءات مشكلة إسلامية!
وحق عليهم القول السابق في أن هذه الفئة ليست لهم قضية مع الإسلاميين أو المتدينين بوجه عام، مشكلتهم مع “الإسلام” ذاته، مع فكرة التوحيد والرسالة.
لكنهم كما قال لنا الأستاذ العقاد عنهم من القرن الماضي “لا يجرؤون على الإعلان عن عداوتهم للدين”.
مقالات ذات صلة
هل نعيش عصر الإلحاد والفوضى الأخلاقية؟!
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا