مقالات

قصة تمثال

تابعنا مظاهرات بريطانية تضامنا مع المظاهرات في الولايات المتحدة الأمريكية ضد العنصرية احتجاجا على قتل المواطن الأمريكي من أصل إفريقي “جورج فلويد” في بريطانيا وبالتحديد في مدينة “بريستول” قام المتظاهرون بإنزال تمثال “إدوارد كوليستون” وإلقائه في ميناء مدينة “بريستول” باعتبار أنَّ التمثال لشخص ارتبط بأعمال تبادل الرقيق، حيث أشرف على نقل ما يقرب من مائة ألف من العبيد السود الأفارقة للأمريكتين في القرن السابع عشر الميلادي عن طريق شركة “رويل أفريكان” والتي كان مقرها في لندن،

هذا الفعل لم يكن المقصود منه التمثال في حد ذاته بقدر ما كان المقصود الحدث أو المرحلة التاريخية التي ذكرهم بها التمثال، فتمثال أي شخصية تاريخية هو كوميض من الماضي يذكر الذاكرة البشرية بالحدث التاريخي لشخص التمثال، فهو كصفحات كتب التاريخ التي تُذكر البشر بأن للطبيعة البشرية أفعال تَسُر أو تضر، تماثيل تذكّرنا بأن البشر نوعان؛ نوع يتصرف وفق الفطرة السليمة وآخرون لا يعرفون عن ذلك شيئا يذكر،

وليس بالضرورة أن يكون التمثال عن شخصية تاريخية؛ قد يكون لشخصية مجردة للتذكير بقيم ومُثل معينة كتمثال “نهضة مصر” في بلدي مصر من أعمال الفنان التشكيلي “محمود مختار” وهو التعبير البالغ عن هُويِّة مصر وطموحها بعد ثورة 1919م وتمثال “الكاتب المصري” بالمتحف المصري الذي يؤكد على الدور الأساسي للكاتب المصري في الحياة الثقافية والفكرية في مصر القديمة .

تمثال الحرية

في الولايات المتحدة الأمريكية تمثال الحرية وهو مُصمم أساسًا لِيُقام على واجهة بحرية؛ لأن التاج الذي يعلو رأس التمثال المتجسد في امرأة له سبعة أسنة في إشارة إلى بحار العالم السبعة. وُضِع هذا التمثال على مدخل جزيرة “ليبرتي” أو جزيرة “بيدلوز” بمدينة نيويورك ومكتوب عليه العبارة الشهيرة (الحرية تنير العالم).

ومن المفارقة أن هذا التمثال؛ عرض المصمم الفرنسي تصميمه أول الأمر على “الخديوي إسماعيل” 1871م لينصب على المدخل الشمالي لقناة السويس، إلا أن “الخديوي إسماعيل” اعتذر لتكاليف صنع التمثال الباهظة والتي كانت كلفته 600 ألف دولار وهو مبلغ ضخم في وقته، وبعد اكتمال إنشاء التمثال في فرنسا عام 1884م؛ فقد نجحت في تحصيل تكاليفه؛ أهدته لأمريكا والتي أقامته على أرضها عام 1886م تعبيرا عن الصداقة بين البلدين؛ فقد اشتركا البلدان فرنسا وأمريكا في الكفاح المشترك ضد عدوهما اللدودين بريطانيا إلى أن نالت أمريكا استقلالها من الاستعمار البريطاني عام 1776م.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

تماثيل حطمت من قبل

تمثال “فرديناند دي لسبس”

من التماثيل التي حطمت “تمثال فرديناند دي لسبس” التمثال الذي نصب في المدخل الشمالي لقناة السويس بمدينة بورسعيد في بدايات القرن العشرين وهو تمثال لمهندس فرنسي درس مشروع توصيل البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط والذي نجح في إقناع والي مصر “سعيد باشا” بالمشروع وبدء الحفر في عام 1858م واستمر الحفر لعشر سنوات إلى افتتاح القناة عام 1868م، اشترك في الحفر قرابة المليون عامل ومات منهم 120 ألف عامل،

فقد كانوا يعملون في ظروف بالغة الصعوبة تحت لهيب الشمس الحارقة ولم يكن للعامل في يومه الشاق هذا سوى قطعة من الجبن وكسرة خبز يطوي بها بطنه ليله ونهاره، ومع انتهاء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م؛ قام مجموعة من الفدائيين بتفجير التمثال لارتباط شخص التمثال بأعمال السُخرة في حق المصريين مع ترك قاعدته التي كانت مُقام عليها التمثال وهي موجودة حتى الآن لتذكير الأجيال القادمة بهذه الفترة التاريخية من تاريخ مصر، وكنت أفضل أن يتركوا التمثال كله للذكرى .

تماثيل بوذا

من التماثيل التي هُدمت تماثيل “بوذا” الموجودة في تجاويف جبال “باميان” في أفغانستان ويرجع تاريخها إلى القرن السادس الميلادي وقت أن كانت أفغانستان من مناطق التواجد البوذي، وقامت “حركة طالبان” بهدمها بدعوى أن هذه التماثيل لا حاجة لوجودها بعد ظهور الإسلام، وأرسلت المناشدات من كل حدب وصوب لطالبان بعدم الهدم؛ إلا أنها لم تجد آذانًا صاغية، وقاموا بتفجير هذه التماثيل، وأعلنوا بأنَّ على المسلمين في جميع أنحاء العالم أن يكونوا ممتنين لهذا الهدم!

الفن هو المُعبر الأمثل عن ما بداخل الإنسان من مشاعر وعما يقتنع به من أفكار، والإنسان الغربي وحضارته الغربية وريثة وامتداد الفترة اليونانية الهيلينية والحضارة الرومانية ابتنت على أمرين يميزانها عن غيرها من الحضارات ألا وهي “القوة الجسدية والمتعة الحسية” رأينا ذلك في تاريخنا المعاصر في متاحف العرق الآري في “ألمانيا النازية” حيث تماثيل الآري المثالي بقوامه الممشوق وعضلاته المفتولة وملامحه الآرية التي تميزه عن باقي الأمم والشعوب،

وتماثيل أمريكا وبريطانيا وبلجيكا وفرنسا وغيرها من باقي الدول ذات الماضي الاستعماري لا تختلف عن تماثيل الآرية في التعبير عن أسس الحضارة الغربية القوة الجسدية والمتعة الحسية وحرص الحضارة الغربية على التغلب على باقي الحضارات لضمان التفوق في الجسد والحس على الآخر .

وهذه التماثيل هي لأبطال من وجهة نظر غربية ضمنوا للغرب استمرارية تفوقهم على الآخر من ناحية الجسد والحس وذلك بتغلبهم واستعبادهم للشعوب الأخرى وتسخيرهم لخدمة الغربي .

ومن قبل حطم الغاضبون تماثيل “موسيليني وهتلر وستالين” ومع ذلك استمر النهج اليميني المتطرف وسيطر في الحكم على عدة دول، وفى دول أخرى تبنى الحكام فيها الدكتاتورية والاستبداد في الإدارة والحكم؛ فالهدم الحقيقي هو لقواعد التفكير الغربي الذي يُوظّف في التغلب على الشعوب الأخرى لضمان التفوق في القوة الجسدية والمتعة الحسية. هذا هو الهدم الحقيقي لا الهدم الرمزي للتماثيل .

اقرأ أيضا:

الإشكالية العرقية

ألوان الظلـم في حياتنا

لا أستطيع التنفس!

على زين العابدين

باحث بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالمنصورة