مقالات

قانون إعدام القانون .. روح أناكسيماندر

لفت نظري بشدة اسم القانون الذي أقره الكنسيت الإسرائيلي بالأمس، قانون إعدام الأسرى، رأيته تعبيرًا عن مفارقة كبرى لا فكاك منها إلا بتغيير تاريخي يتغير معه مفهوم الإنسان عن القانون، ولنا ملاحظات عدة تقطر آلامًا على مصير الإنسانية.

القانون هو الأخلاق المؤسسية. هو تحول نظرية ما في الأخلاق إلى طابع مؤسسي حاكم، في اليونان مثلًا كان الخلق من العماء من اللا نظام عن طريق فرض الآلهة النظام على الفوضى الأولى، الذي فسره أناكسيماندر بالعدل (Dike)، الذي يخرج الأشياء من الفوضى إلى الوجود ويعيدها إليه، فيقول: “الأشياء تعود وتفنى في المصدر نفسه الذي خرجت منه بحكم الضرورة، لأنها تؤدي لبعضها القصاص والتعويض عن ظلمها وفقًا لترتيب الزمن”، العدل جوهر الوجود، هو الانتظام.

كان تصوره لهذا العدل كليًا مطلقًا، حتى عاد منيتسكو في روح القوانين ليجعل منه تعبيرًا عن حالة ثقافية جغرافية معينة، ثم أتى القانون الدولي ليجعله في شق منه كلي عالمي لا ينتظم العالم إلا به، ومن أوليات هذا القانون الكلي قواعد معاملة الأسير.

إسرائيل في بضع سنوات تحولت رويدًا رويدًا من مخالفة القانون إلى إصدار قانون يمحو هوية القانون ذاته، بوصفه قاعدة لتنظيم تصور ما للعدل. لها وظيفة براجماتية في فرض الانتظام الكوني الذي يكفل للعالم الاستمرار ولو بمفهوم لا يتوافق مع الأخلاق تمامًا.

ضرب مستشفيات وصحافة ثم الاعتذار، ثم ضربها وإعلان استهدفها، ثم إصدار قانون يتيح لها استهداف القانون ذاته!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

نحن أمام مرحلة تشبه قاعدة أناكسيماندر في العودة إلى مرحلة الفوضى: اللا وجود، هكذا يعمل القانون المطلق للعدل كما رآه.

كنت أقول لزميل بالأمس إن هذا القانون إسرائيل تسعى إليه منذ زمن حتى تتخلص من عمليات مثل السابع من أكتوبر، التي تهدف في الأساس إلى تبادل الأسرى، فلا يعد ثمة أسرى لتبادلهم، فقال إن كل ما سوف يحدث هو محاولة أخذ أسرى لإعدامهم في المقابل، ابتسمت وقلت لنفسي هو مفهوم أناكسيماندر في الرحلة العكسية للعدل من الوجود إلى اللا وجود.

في الحقيقة إن جنون اليمين الإسرائيلي يقودنا لا محالة إلى حالة من الرحلة العكسية من العدل إلى انتهاء وجود عالم ما، يبدو أنه قد شاخ كفاية حد الموت. احتفالهم بالأمس في الكنيست هو احتفال على جثة ميت، العالم ينتحر من أجل حفنة مجانين، إلى عالم ما آخر، فالوجود حتمًا سيجد له طريق.

مقالات ذات صلة:

ماذا فعلت أنت؟!

انهيار الحلم الصهيوني

مرحلة الانحدار الإمبراطوري

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ.د. محمد على

استاذ مساعد المنطق وفلسفة العلوم جامعة الفيوم & الجامعة البريطانية