قال رجل الأعمال الغني

طوال التاريخ يتلقى البشر الحكمة والنصيحة من الحكماء والعلماء والأنبياء والفلاسفة، وليس رجال الأعمال والتجار!
تجد في حضارة الصين يقولون قال كونفوشيوس وقال لاو تسي، إلخ.
في حضارة الإسلام يقولون قال الشافعي وقال علي بن أبي طالب وقال ابن رشد والغزالي، إلخ.
في حضارة اليونان والرومان يقولون قال سقراط وقال أفلاطون وقال أرسطو، إلخ.
حتى الحضارة الغربية في بداية نهضتها وقمة عظمتها بين القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، إلى أول القرن العشرين، يقولون قال كانط وقال نيتشه وقال فولتير وقال ديكارت وقال سبينوزا، إلخ.
لم نسمع في أي حضارة أنهم يقولون: قال رجل الأعمال الغني كذا، أو قال التاجر الناجح كذا، أو الحكمة التي نتعلمها من الرجل فاحش الثراء هي كذا!
لكن في التاريخ نعرف حالتين شاذتين عن هذه القاعدة المنطقية الطبيعية، أَخْذ الحكمة من الحكماء والعلماء والفقهاء، وبدلًا منها يكون القدوة وأخذ الحكمة من التجار ورجال الأعمال والأغنياء ورجال المال!
حالة بني إسرائيل في أثناء العبودية تحت ظلم فرعون، إذ كان العاقلون من بني إسرائيل يأخذون الحكمة من موسى عليه السلام، في حين أن الحمقى يأخذون الحكمة من قارون، فقط لأنه غني فاحش الثراء!
سورة القصص مثلًا: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)﴾ صدق الله العظيم.
يعني نهاية بشعة لقارون ومن كانوا ينظرون إليه بانبهار ويتخذونه مصدرًا للحكمة والموعظة.
الحالة الثانية هي العالم في آخر القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين، العالم اليوم، في مراحل تدهور وانحدار الحضارة الغربية وأفول نجمها بعد أربعة قرون من الصعود والقوة والاستقرار.
اليوم نرى الإعلام، ومن ورائه الحمقى، يرددون: قال جيف بيزوس كذا، نصيحة إيلون ماسك كذا، الحكمة المأخوذة عن بيل جيتس هي كذا، ستيف جوبز له مقولة شهيرة هي كذا! نجيب ساويرس قال كذا على تويتر!
يسألونهم عن رأيهم في مشكلات العالم! ويطلبون النصيحة من أشخاص من دون أي مؤهل لإعطاء النصيحة!
أصبح العالم والحمقى من البشر ينظرون إلى الأغنياء على أنهم حكماء وعلماء وفلاسفة وفقهاء يأخذون منهم الحكمة في جوانب الحياة كلها.
أشخاص مؤهلاتهم كلها أنهم أغنياء، سواء بفضل علاقاتهم مع المستثمرين وأصحاب القرار والبورصة، أو أنهم مولودون في عائلات غنية ولهم شبكة علاقات تضمن تمويل شركاتهم إلى أن تحولوا إلى مليارديرات.
أشخاص عاديون، بل وكثيرًا ما يكونون فاسدين وبلا أخلاق ولا دين، هؤلاء أصبحوا اليوم مصدر الحكمة والنصيحة والفلسفة لملايين الحمقى والأغبياء، الحمقى والأغبياء أنفسهم الذين كانوا مبهورين بقارون.
أصبح هؤلاء الجشعون والتجار الأشرار هم من يخططون لمستقبل العالم والبشر، كيف يُستعمل الذكاء الاصطناعي في تسريح ملايين البشر وتحويلهم إلى عاطلين بلا فائدة، فقط لجمع مزيد من الذهب وأسعار البورصة والأوراق النقدية! أصبح هؤلاء الجشعون هم من يُأخَذ رأيهم في كل صغيرة وكبيرة في العالم!
ثم ينظرون في تعالٍ إلى ملايين التعساء من البشر المنهوبين المسروقين، ويقولون لهم بتكبر: “اشتغل على نفسك، العيب فيك، أنت مش بتشتغل كفاية، أنصحك تشترك في دورات تنمية المهارات وكورسات التنمية البشرية”.
طبعًا الإعلام ونصابو التنمية البشرية يرددون علينا كلامهم نفسه كأنه الحكمة المقدسة الخارقة!
رجل الأعمال لا يصلح لأن يكون مصدرًا للحكمة، هو محض تاجر، له خبرة في تجارته، تتعلم منه نصائح في تخصصه، فقط، بس، خلاص، لكن لا يتحول إلى حكيم الزمان فقط لأنه يملك المال!
مؤهلاته كلها هي الثروة التي حصل عليها، سواء بالصدفة أو العلاقات أو الفساد أو العمل الجاد والاستثمار في صفقات رابحة!
لم نسمع في أي حضارة محترمة عن أن التجار ورجال الأعمال والفاسدين والمستغلين أصبحوا هم الحكماء والفلاسفة! وأن يتحول هؤلاء إلى مصدر الحكمة، فهذه علامة انحدار الحضارة الغربية ومن يتبعها ويسير وراءها.
الحكمة والفلسفة والنصيحة والأخلاق يجب أن يكون مصدرها العلماء والفقهاء والحكماء، وليس رجال الأعمال والتجار والأغنياء.
مقالات ذات صلة:
حياة الفلاسفة: رَفَه الجهل ومعاناة الحكمة
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا