مقالات

في بيان معنى الهزيمة

ما معنى أن يهزم المرء؟ قد تأخذ الإجابة عن هذا السؤال منحيين:

الأول: مادي مباشر: فيه تتضح الإجابة عن هذا السؤال بمراجعة الواقع المادي لي ولخصمي، والنظر فيما بيننا من موازين القوة، والنتائج المتحققة على الأرض، فإذا كان ذلك كله في صالح العدو فهذا معناه أنني هزمت، والعكس.

والثاني: وجودي إنساني: فيه يؤمن الإنسان بوجوده في الحياة بوصفه إنسانًا له جذور في المكان والزمان من آباء وأجداد، وله امتداد في المستقبل بأبناء وأجيال قادمة، ومن ثم فما وقع هو “غلبة” لها أسبابها أكثر منه هزيمةً لا تفارقني، ودوري إزاء هذه الغلبة تغيير الأسباب التي منحت تلك الغلبة لخصمي، لتكون تلك الغلبة لي لا له، ذلك هو الذي يكفل للمرء أن يغير النتائج مهما كانت كارثية، ويغيّر المعادلات مهما كانت في غير صالحه، شريطة أن لا يتعامى عن الواقع، ولا يطمس الوقائع، ومن ثم فإذا نظر في الواقع ووجد أن موازين القوة والنتائج المادية على الأرض في صالح خصمه، فهو يعترف بأنه غلب في هذه الجولة بينهما، لكنه لا يمكن أن يعترف بأنه هزم بمعنى اندحر وتلاشى.

ومعنى هذا الكلام هام وخطير ونافع لواقعنا على أكثر من صعيد، على النحو الآتي:

أولًا

إن ثمة فرقًا بين الهزيمة والغلبة، فقد يغلب الواحد منا أو تغلب أمة أو دولة أو كيان ما في زمان من الأزمان، لكنها لا تهزم، بمعنى أنها تندحر وتتلاشى بسبب هذه الغلبة الحاصلة، شريطة أن تعترف تلك الأمة أو الدولة أو ذلك الكيان المغلوب، بأسباب هذه الغلبة، وتتخذ منها منطلقًا للعمل، حتى تحوّل نفسها من خانة المغلوب إلى خانة الغالب.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ثانيًا

إنّ التعامي عن الحقائق يكلّف صاحبه ثمنًا باهظًا، فالواقع لا ينتقم إلا ممن تجاهلوه، وطمسوا وقائعه، إذ إن قانونًا مستقرًّا لطالما ألحّ عليه ابن خلدون في مقدمته على نحو غير مباشر، مفاده: أن أكثر الناس جهلًا بطبائع الأحوال والأحداث هم أكثر الناس عجزًا عن قيادتها والسيطرة عليها.

ثالثًا

إنّ الغلبة لا تكون دومًا في مصلحة الغالب، إذ قد يستفيد المغلوب من التقنيات العلمية والمعطيات المادية التي حققت الغلبة للغالب، إذا اعترف المغلوب بها وسعى إلى تحصيلها، فتصير هذه الأمور وسيلته في الاستيقاظ، حتى يعدّل كفة الميزان بينه وبين خصمه.

رابعًا

إنّ الأدرى والأعرف هو الأقدر على السيطرة والإدارة، فمن يملك السلاح الأذكى، والتقنية الأعلى، والمعرفة الأحدث، هو الذي سيحوّل الآخر أداةً له، وموضوعًا لمعرفته، شاء الآخر أم أبى.

خامسًا

إنّ الغلبة لا تقع فقط بسبب عدم تكافؤ السلاح أو لأسباب سيكولوجية أو أخلاقية من قبيل العمالة، والتطرف، والجنون السياسي الذي يمارسه بعض الحكام، لكنها فوق ذلك وقبله تقع بسبب العجز العقلي والذاتي لدى الأفراد عن ضبط موازين القوة وتحصيل أسبابها، تلك الموازين التي تتجاوز القدرة على السلاح إلى مناطق أرحب وأصعب من قبيل بناء إنسان سوي عقليًا وروحيًا، ومجتمع قوي قادر ماديًّا، وهذه مسؤولية كل واحد منا قبل أن تكون مسؤولية دولة.

 بإيجاز:

إنّ الهزيمة الحقيقية هي أن لا يصدّق المرء أنّه غلب، أو لا يدري كيف غلب، أو لم غلب.

الهزيمة أن تتوالى على المرء النكسات تلو النكسات، وهو متشبثٌ بقناعاته، مردّدٌ لشعاراته.

الهزيمة أن تكون النتائج كارثيةً وصاحبها لا يفعل شيئًا سوى أنّه يصرّ على المقدمات التي أفضت به إلى تلك النتائج الكارثية.

️الهزيمة أن لا يصدق المرء مع نفسه، وأكرّر: الهزيمة: أن لا يصدق المرء مع نفسه.

مقالات ذات صلة:

الصبر مواجهة

تنهزم بالإفلاس!

ولم الحرب إذن؟!

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د . أحمد عزت عيسى

مدرس بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، قسم النحو والصرف والعروض