مقالاتفن وأدب - مقالات

فن النحت في مصر والصين

لكل حضارة مِيزاتها وخصائصها التي تُبرزها وتجعلها مُتفرّدة عن باقي الثقافات والحضارات الإنسانية والمنتوجات الإبداعية المُصمّمة بأيدي أبنائها. وكما أنّه توجد نقاط اتفاق وتلاقٍ وتقارب بين الحضارات المختلفة، فكذلك توجد نقاط اختلاف لتمييز الأعمال تجعلكَ عندما ترى صورها أو تزورها تقول: “إنّ هذه حضارة مصر القديمة السحيقة أو الصين العريقة أو اليونان الجميلة”. والنحت من الفنون الواضحة الجليّة التي تشترك فيها الحضارات، ولكنها تختلف في رونقها وهندستها وأسلوبها، و النحت في معناه اللغوي كالذي جُبِل وطُبع على الكرم والجود، فكأن المعنى اللغوي يأخذنا إلى المعنى الحقيقي بأنّ أهل هذه الحضارة وأصحابها يتسمون بالطيبة والكرم والأخلاق.

الحضارة المصرية وفن النحت

والنحتُ يكون على الخشب أو الحجر، وقد عُرفت الحضارة المصرية بدقة طِرازها وروعتها وكثرتها وجمالها، وما مدينة الأقصر في صعيد مصر التي تحوي ثُلث آثار العالم منا ببعيد.

لقد بزغ نجم المصري القديم في فن التصوير والنقش منذ قديم الأزل، فكانت على جدران المعابد والمقابر والمسلّات وأدوات الطعام تصف الحياة والمعارك الحربية والصور الجنائزية على سبيل التدوين والتذكار. والناظر في النقوش القديمة يتبين له مدى الدقة والمهارة والفن الذي وصل إليه النحت، فالمصري يحكي قصة حياته بواقعية يشرح فيها ما حدث له، إنه تواصل الأجيال.

وارتبطت الكتابة المصرية القديمة (الهيروغليفية) البارزة والغائرة بالنماء والتحديث الدائم في رسوم وأشكال هندسية بالغة الجمال، وتميزت بالرشاقة والانسجام بعضها مع بعض، ومن المُلاحَظ عدم كتابة اسم الفنان على عمله إلا في القليل.

لقد أبدع المصري القديم في نحت وتصوير الإنسان والحيوان والطير، واتخذت النقوش على المقابر اتجاهًا متدرجًا، فبدأ بكتابة الصلوات واسم ولقب المتوفى وبعض أقاربه على مدخل المقبرة، ثم انتقل إلى الداخل على الجدران بكتابة مميزاته وأنه لم يظلم أحدًا أو يأكل أموال أحد، وظهر هذا جليًا في بث شكاوى الفلاح الفصيح.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

مَن ليس له قديم لا يمكن أن يكون له جديد

وتتميز مصر بكثرة الآثار والمعابد والمقابر المترامية الأطراف والتي ما زال يتم اكتشافها إلى الآن، وتختلف من حيث الازدهار والوفرة والقِلّة والنُدرة نتيجة للاستقرار السياسي والرخاء أو الاضطراب من عصر لآخر.

وتتأكد المحافظة على الآثار والاهتمام بها من خلال البعثات الأجنبية، والبعثات المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار وكلية الآثار وغيرها، وتظهر هيمنة الدولة من خلال فيلم (المومياء) للمخرج العبقري شادي عبد السلام، والممثل الرائع أحمد مرعي، وكذلك العمل على استجلاب الآثار التي تم تسريبها إلى الخارج.

ومن المعروف أنّ الذي ليس له قديم لا يمكن أن يكون له جديد أي أنّ الحضارة الحديثة ترتكز وتأخذ روحها من القديمة، وأشار (صبحي الشاروني) لهذا بأننا لا بد أن نستوعب الدرس والخبرة من تاريخ الفن في الغرب، فقد بدأت الحركة الفنية الحديثة مع (الكلاسيكية الجديدة) منذ قرنين من الزمان بانفتاح كبير على التراث الإنساني بشكل عام، والحضارات القديمة بشكل خاص (ابتداء من تراث الإغريق، ثم الشرق الأقصى، كالصين واليابان والهند، حتى حضارات الشرق الأوسط القديمة فيما بين النهرين وفي مصر، ثم في إفريقيا بعد ذلك.

اهتمام الأمة الصينية بفن النحت

وعلى الجانب الآخر نجد اهتمام الأمة الصينية بفن النحت ورسم الشخصيات التي تنبض بالحياة والجمال، ويرجع تاريخ هذا الفن إلى خمسة آلاف سنة، وتبدو الرشاقة والجاذبية والمشاعر والأحاسيس في تناسق وحيوية.

ومع الاكتشافات المستمرة نجد مثلًا في أسرة تشين مجموعة ضخمة من الفخار الملون الفريد، والتي تشتمل على أكثر من ستة آلاف قطعة من العربات والخيول والتماثيل الجنائزية لشخصيات تتماثل مع الإنسان الحقيقي، مما يُضفي عليها الرهبة والنظام وانضباط الموكب العسكري.

وتأثر فن النحت الصيني بالفكر البوذي فنجد الكهوف الأربعة الحجرية التي تزخر بالتماثيل المصنوعة لشخصيات مختلفة تعكس مدى الهدوء والسكينة والذوق الرفيع والرغبة في الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

ويُظهر الفن بأنواعه ومنه النحت مدى تمتع البلد بالازدهار والثقافة والحِلم والتسامح والرزانة والرصانة والمزاج النفسي والشؤون الحياتية وفتح المجال للمبدعين، ومن ذلك أعمال النحت أمام مقابر الملوك والأباطرة البالغة الثراء والنبض بالحياة وعدم التكلّف.

ويشير (تشنغ يوي تشن) إلى أنّ النحت الصيني يختلف كل عصر فيه عن الآخر بملامحه القومية وتعبيره وسِحْره، كما يُعبر عن المُثل العليا بكل جد واجتهاد، ويستطيع أن يُبرز المكانة السامية للأشياء الموضوعية واحترامها وتقديرها، ولا يلجأ إلى العلاقة الكاشفة المفضوحة التي تمعن مليًا في جسم الإنسان، وهو موطن الخلاف عن فن النحت الغربي.

مبدعين حقيقيين

إنّ ممارسة الفن والرقي به من الأمور المحمودة العظيمة التي نستطيع أن نحكم ونعرف من خلاله مدى ارتقاء الثقافة والقمة أو الهبوط، الارتفاع أو السقوط لأمة من الأمم في عصر من العصور.

إننا وبحق نحتاج إلى مبدعين حقيقيين يُخرجون أجود ما عندهم لاستكمال الحضارة الإنسانية وربط الأجيال السابقة باللاحقة، بشكل جديد وأعمال راقية ولامعة تدل على أننا لم نفقد الطريق ولم نبتعد عن الجمال الكوني عامة والإبداعي والابتكاري الإنساني خاصة.

اقرأ أيضاً:

 اللغة التي يفهمها كل البشر

كيف يدافع الفن عن قضية؟

سور الصين العظيم

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

د. وائل زكي الصعيدي

خبير مناهج وطرق تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها/ جامعة الاقتصاد والتجارة الدولية

محاضر في: جامعة الدراسات الأجنبية كلية العلوم الإسلامية الصينية / بكين – الصين

دكتوراه فى المناهج وطرق تدريس اللغة العربية

ماجستير في أدب الأطفال، ودبلوم خاص في المناهج وطرق التدريس، رئيس قسم الموهوبين بإدارة ميت أبو غالب التعليمية دمياط سابقاً

عضو اتحاد كتاب مصر