مقالات

بِدء التآمر بـ”الملحمة”

لو لم يُتلاعب ويُتآمر بنتائج أحد أعظم الثورات في القرن العشرين (ثورة 1919م) لكان حال الشرق الأوسط الآن غير الحال، ولرحل الاحتلال، ولما خسرنا السودان، ولما خسرنا حرية الإنسان وكرامته. ولاستكملت البلاد بناء المؤسسات الصلبة الراسخة للحكم الراشد، لكن المؤامرة عليها وعلينا وجدت من يرحب بها.

مثل ذلك يحدث الآن حول “ملحمة الطوفان”

الغرب الصهيوني مهتم للغاية بمنع استقرار الفكرة ذاتها في بؤرة الوعي العربي والإسلامي العام، فكرة “المقاومة”، وسيتسع المعنى هنا ليشمل مقاومة أنواع الظلم والبغي والعدوان كلها على حرية الإنسان وكرامته واستقلاله.

لكن القدر أراد للنموذج أن يكون طرفاه في صورتهما الكاملة لكل ما يمثله كل طرف:

فكانت المقاومة صاحبة البدء الأول (ادخلوا عليهم…) وصاحبة الفعل النافذ وصاحبة الفكر الفاضل، وحملت مشروعها كله على أجنحة الصبر العظيم، قتالًا وثباتًا في الميدان، ودعمًا وتضحية من أهل العزم والأنوار.

وكان العدو صاحب النموذج الكلي والشامل في القتل والعربدة والوحشية، والخلو التام من الإنسانية على نحو لا سابق له ولا لاحق فيما أعتقد.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

فشل العدو في تحقيق مراده

وهو حائر أمام هذا الفشل، الذي لا سابق له به، واحتار في أمره، ولشدة حيرته وعجزه لجأ إلى حيلته القديمة: الالتفاف والتآمر والتلاعب حول نتائج الملحمة، وهم أصحاب تجارب سابقة في هذا التآمر من البدايات الأولى.

لكنهم الآن أمام خصم مختلف كليًا عما اعتادوه في ماضي تآمرهم، فأسفرت وجوههم عن العداء المعلن والتهديد الصاخب، وقد سمعنا ترامب أمس وهو يقول بلسان مقطوع: إذا لم تقبل حماس بخطتي فإن لنتنياهو دعمي الكامل في حرب غزة.

دعمه ودعم سلفه ودعم الغرب كله لم يكن منقوصًا حتى يراد له الاكتمال، لكنه “الذعر” الذي يستصحب معه التهديد والوعيد.

تقول الحكاية إنه في 12 مايو 2003 م قرأ الناس هذا الخبر الذي عم وكالات الأنباء في العالم كله: “وصل إلى بغداد اليوم رئيس الإدارة المدنية الجديد في العراق الدبلوماسي الأميركي بول بريمر، لتولي مسؤولية إعادة إعمار البلاد وتأهيلها سياسيًا بعد الحرب التي أطاحت بالرئيس العراقي صدام حسين”.

كل من يتابع الشأن العراقي يعرف جيدًا ما فعله بريمر في العراق، بخاصة في ملفي إعادة الإعمار والتأهيل السياسي للبلاد، ولا زيادة لمزيد في هذا الموضوع.

وإذا صحت الأخبار التي تناقلتها وسائل الإعلام عن التفكير في تعيين رئيس الوزراء البريطاني الأسبق تونى بلير (72 سنة) حاكمًا انتقاليًا لغزة، فإننا نكون أمام مشهد سريالي لئيم، تتعدد فيه الأغراض اللئيمة.

أولًا: التغطية على الهزيمة الاستراتيجية التي تلقتها الدولة الصهيونية على مستويات المواجهة كلها.

ثانيًا: بمنع تكوّن حالة فلسطينية خالصة في التعاطي التاريخي مع مجريات الأحداث على أرض فلسطينية خالصة، والأهم: بقرار فلسطيني خالص، بعد أن قالت المقاومة كلمتها مبادرة وابتداء في 7 أكتوبر، وتحملت (مقاومة وشعبًا) عواقب هذه الكلمة كلها.

ثالثًا: منع تنامي الروح وتعاظمها وانتشارها، التي تجلت على مدار سنتين في تلك المواجهة التاريخية بين الشرق والغرب في أرض غزة، وقدمت فيها المقاومة الصورة المثلى لما تنبغي أن تكون عليه هذه المواجهة.

الواقع المنظور يقول لنا أن دولة الاحتلال بعد طوفان الأقصى تعيش حالة من التراجع والاهتزاز غير مسبوقة في تاريخها كله من يوم التأسيس الأول، على مستوى الداخل (المجتمع والدولة والجيش)، وعلى مستوى الخارج التي تواجه فيه تسونامي دولي (بوصف قادتهم)، يعصف بكل ما سعت لتأسيسه في الأذهان عبر عقود من التضليل والخداع والتزييف الإعلامي الهائل.

وستنتهي الحرب وهي في حالة من العجز الظاهر عن تحقيق أي هدف خاضت من أجله هذه الحرب، فقط القتل العبثي كما قيل بحق.

على أن المسألة لن تكون هزيمة لليمين الحاكم فقط، لكن هزيمة كاملة للمشروع الصهيوني كله، بعد أن أوضحت هذه الحرب أنه عبء ثقيل على اليهود واليهودية، وأنه ضد الإنسان والإنسانية.

هزيمة هذا المشروع وتخلخل أركانه دوليًا لهو حدث ضخم، ويمس مصالح كبرى لدول وشركات وأشخاص تجمعهم شبكة مركبة ومُحكمة من الترابط والتنظيم والتواصل والتوارث.

إنها هزيمة العبودية الجديدة

سيكون علينا أن نتذكر اعتياد الشرق الأوسط من بعد خروج الاحتلال وقيام دولة الاستقلال، على تلقي الأفعال والتعامل معها بعد أن تتحول إلى واقع، وبردود أفعال تتراوح بين التغافل والتواطؤ.

حتى كان السابع من أكتوبر، الذي دشن فكرة التقدم والانطلاق في وجه العدو استنادًا لفهم عميق للآية الكريمة “ادخلوا عليهم الباب…”، وكانت بحق الشعار الأبدع والأروع لطوفان الأقصى.

هذا الفعل التاريخي لم يكن خبط عشواء، بل يبدو أنه اعتُصِرت نتائجه المتوقعة كلها اعتصارًا، ومد خطوطها إلى كل ما يمكن توقعه على المدى القريب والبعيد، وعلى الدرجات الدنيا والقصوى، وكان بحق نموذجًا في نهج “أعد لكل أمر قرينه”، كما كان يوصف الفاروق رضى الله عنه.

وتأتي فكرة “اليوم التالي” لانتهاء الحرب، لتكون لحظة المواجهة المحتدمة مع الطرف الآخر المحتشد عربيًا ودوليًا حول المشهد، لاختطاف زمام المبادرة الذي أحكمت المقاومة قبضتها عليه من اليوم الأول للحرب.

الإصرار على منع المقاومة من أن يكون لها دور في المستقبل، ولا حتى أي من الفصائل الفلسطينية، هو في الصميم تأكيد على فكرة حرمان “الفلسطيني المقاوم” من أن يكون صاحب الكلمة الأولى والأخيرة.

كان طوفان الأقصى بزخمه وعنفوانه كله حالة نوعية كبرى في الوعي العربي العام، على مستوى البناء الداخلي للمقاومة والحاضنة الأعظم لها من أهل العزائم والأنوار، وعلى مستوى المواجهة مع العدو في مداها الأقصى.

وهو أمر لن يمر في حركة التاريخ مرورًا عابرًا، مثل ما مر غيره من الأحداث الباردة المترددة البليدة في مسار القضية المركزية للأمة الإسلامية كلها (وفي القلب منها القدس والأقصى).

لهذا ولما هو أكثر من هذا، لن تنخدع المقاومة في تعاطيها مع هذه الألاعيب، ولديها من أدوات الضغط ما يمكنها من الثبات.

وسأستشهد هنا بقول المقاوم الذي قال: نحن الآن نشكل مدرسة عسكرية كاملة ولدينا الحق في أن نضيف إلى أفكار هذه المدرسة (الثقة بنصر الله).

وهو قول حق، ومليء بالصدق، صدقًا يستمد برهانه من إيمان صلب، يقوم على العقل واليقين، وليس على خيالات وتهويمات.

ولدينا تاريخ زاخر بما يؤيده، ليس فقط تاريخ مواجهات غير متكافئة، مع أعداء ظنوا علوًا في الأرض بما يمكنهم من فعل ما يشاءون (كما قال نتنياهو وترمب)، لكن من مواجهة لم يواجهها الغرب الصهيوني من قبل، مواجهة صحبهم فيها الفشل كما يصحبهم ظلهم.

لأن من في وجوههم يعلمون يقينًا أن الله غالب على أمره، لكن أكثر الناس لا يعلمون.

إنهم أهل اليقين والبصيرة، الذين يرون ما لا يرى الناس، ويعرفون ما لا يعرف الناس.

مقالات ذات صلة:

المعنى العسكري لما يعرف بحالة اللا يقين

الإنسانية تقتضي المقاومة

الميلشيات وحروب الجيل الرابع

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. هشام الحمامى

رئيس المركز الثقافي اتحاد الأطباء العرب – عضو الأمانة العامة والمجلس الأعلى لاتحاد الأطباء العرب – مدير الشئون الطبية بقطاع البترول