علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

أفراح على أطلال الحزن

وأنا صغير في قريتنا مع اقتراب العيد كان الاستعداد للزواج محاطًا بهالة من البهجة والفرحة والسرور، إذ كانت الاحتفالات تستمر لمدة شهر كامل دون توقف قبل الزواج في بيت الشاب وبيت الفتاة، وكنت أنا ورفاقي نذهب كل يوم لنشاهد تلك الاحتفالات ونستمتع بأهازيح النغم التي تمس أوتار قلوبنا، إذ تظللنا أعلام ملونة زينت شوارع القرية مع بوابة خشبية عالية على مدخلها استعدادًا ليوم الزفاف المنتظر.

الكل في قريتنا يتبارى في التهنئة والمباركة وإظهار الفرحة الصادقة للعروسين.

ومع هذا كله قد يعلن عن وفاة أحد أبناء القرية أو بناتها أو شيخ من شيوخها أو حتى طفل من أطفالها، هنا تتوقف الاحتفالات فورًا احترامًا لأسرة الراحل ويؤجل حفل الزفاف فترة ولا يُقام إلا بعد استئذان أهل المتوفى وتطييب خاطرهم.

كانت مقاهي القرية تعلن تضامنها مع أهل المتوفى، فإذا بأجهزة الراديو على “إذاعة القرآن الكريم” فقط احترامًا لمشاعر الحزن التي عمت القرية كلها.

كان الكل يتسابق في إعداد الطعام لأسرة المتوفى وضيوفهم، وصنوف الطعام تجهز وترسل إليهم في مشهد إنساني راقٍ تعجز كلماتنا البسيطة عن التعبير عنه.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

اليوم ماتت تلك القيم واندثرت تلك المعاني وغاب الحب بين الناس وتغيرت المفاهيم كلها، فإذا بالعجب العجاب نراه مفجعًا مؤلمًا يحطم ثوابت العقل البشري كلها، إذ ترى بيتًا يحتفل بالزواج وعلى بعد أمتار منه منزل آخر به راحل فارق الحياة منذ ساعات، هنا حزن وألم وهناك أفراح وزينة! كأن عُرى المشاعر المشتركة قد مُزقت تمزيقًا، فغابت المشاركة في الأحزان وغاب احترام الناس للناس!

وهنا تساؤل حائر: لماذا تغيرت النفوس؟! ولماذا مات إحساسنا بالآخر؟!

والإجابة:

إن التغيير يعد تعبيرًا عن غياب “هوية مجتمع” تدهورت فيه منظومة القيم وتوحشت فيه المطامع، وغدت “المادة والمصلحة الذاتية” هي الأساس في علاقات البشر، بل وغدا “التبجح” أسلوب حياة وتمحور الاهتمام حول الأنا فقط وليذهب الآخر بأحزانه وأوجاعه إلى الجحيم، فلم تعد أحزان الآخر تهمنا ولم تعد أوجاعه تؤلم قلوبنا، إذ أدمنا “البلادة وفقدان الإحساس” وماتت في عالمنا المعاصر معايير الذوق المجتمعي التي ترسخ في الأساس احترام الإنسان لأخيه الإنسان ومشاركته في السراء والضراء.

كم نشتاق إلى ذلك الماضي الجميل الذي غابت ملامحه عنا بعدما كان صرحًا قيميًا شامخًا، لكنه الآن غدا صرحًا من خيال فهوى!

آه من طبائع بشر اليوم، إذ توحشت النفوس وماتت المشاعر واستبد بها الطمع وغدت الخيانة والجحود ونكران الجميل والغدر سمات عفنة تمثل واقع البؤس وموت الإنسان في عالمه الحي، فيال رحمة الله!

لكن رغم كون المشهد ملبد بالغيوم إلا أن شمس الأمل حتمًا ستشرق من جديد لتقهر كل يأس وتبدد كل هم وتناهض كل فرح شيد على أطلال الحزن!

مقالات ذات صلة:

القيم بين التغير والثبات

السياق وتقدير القيمة

لا تشرق شمس حضارة إلا بالأخلاق

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ.د/ محمد جمعة

أستاذ أصول التربية ووكيل كلية التربية جامعة دمياط لشئون التعليم والطلاب