غفلة أمم

كنت جالسًا ذات مرة على شاطئ بحر ما في توقيت الظهيرة وحيدًا بعيدًا عن الزحمة حتى أتى بعض من النسيم مواسيًا، وكنت أنظر إلى هذه السماء وسرحت في هذا الفضاء، فكنت أتأمل في حال مجتمعنا وما وصلنا إليه من غفلة ، غفلة في جميع جوانب الحياة، غفلة سواء على مستوى الفرد الذي أصبح يتمنى الموت ويفكر في الانتحار! الفرد الذي فقد الأمل وفقد الرغبة في التعلم، الفرد الذي لم يعد يتساءل في علل الوجود فمن أين هو أتى وإلى أين هو ذاهب ولماذا خُلق؟ الفرد الذي أصبح في حالة من التيه فلا يعرف هل يكمل طريقه أم يرجع عنه وهل يجب أن يتخذ طريقًا آخر أم لا؟ الفرد الذي لم يُحدد لنفسه غاية فاضلة طويلة الأمد يسعى إليها لأن ليس كل غاية يُسعى لها فلم يعد يعرف لماذا يفعل هذا ولماذا لا يفعله ولم يعد يعرف حتى لماذا كل يوم يصحو من النوم! الفرد الذي أصبح يفعل في يومه ما يفعله كل يوم فأدخل نفسه في حالة من الروتين التي ليس لها معنى، الفرد الذي أصبح ما يفكر فيه هو ما الذي سيأكله ويشربه اليوم… وهكذا كل يوم! أصبح يفكر ما الذي سيفعله اليوم لكي ينتهي من يومه وهكذا كل يوم! الفرد الذي أصبح عنوانًا للاستهلاك فيشتري ما يحتاجه ومالا يحتاجه لاسيما وإن كانت هناك عروض على تلك الأشياء! فمن أبشع أشكال الاستهلاك على الإطلاق شراء السلع لمجرد رخصها أو للعروض التي عليها وشراء السلع ثم البحث عن استخدام لها، الفرد الذي أصبح يريد أن ينعزل ويكون وحيدًا ويتخلى عن كونه اجتماعيًا، الفرد الذي اهتم بجسده ولم يهتم بعقله وكيفية تنميته، الفرد الذي أصبح يُفضل مصلحته الشخصية على مصلحة المجتمع، الفرد الذي أصبح يفعل الأمر القبيح ويُبرره ولم يعد يكتسب الأخلاق الحسنة ويُجاهد نفسه عليها، الفرد الذي أصبح يقدس المادة ولم يعد يعرف في أي شيء سعادته وفي أي شيء يكون شقاؤه، بل لم يعد يعرف ماذا يُريد من حياته فأصبحت عبئًا ثقيلًا عليه، وأضحى في غفلة حقيقية.
وعلى مستوى المجتمع فالحال من سيئ إلى أسوء، ولتتأمل في بعض الجوانب فمثلًا الفن الذي أصبح عنوانًا للتسافل والذي لم يكتفِ فقط بنقل الواقع كما هو عليه – بغض النظر أن هذا التعريف خاطئ تمامًا –بل أصبح يدعو له ويحث عليه بأن يوضح لك كيفية الوصول إلى أن تتسافل والأغرب من ذلك أنه يحاول التنويع في طرق التسافل، فنظرت إلى الفن في مجتمعنا من أغاني ومسرحيات ومسلسلات وأفلام… إلى آخره، واسترجعت في ذهني حصيلة متابعتي منها وقيمت ما استفدت منها من إفادة حقيقية وما كان بها من مساوئ لا تعد ولا تُحصى فما أكثرها!
وعلى مستوى السياسة التي أصبحت عنوانًا للكراهية فأصبح من الطبيعي أن الإنسان يسب ويضرب غيره، ولم يعد هناك احترام للآخرين أو حتى احترام لآرائهم حتى وإن كانت ضد ما تُريد طالما لم يخرج هذا الرأي من إطار عقلي، السياسة التي أصبحت فقط هي سعي المسئول خلف المناصب وكيفية استغلال الناس لكي يخدمون مصالحه فكان معيار الناجح فيها هو منْ يرفع شعارات أكثر قُربًا للناس ليكون بطلهم المغوار قبل أن يحصل على المنصب الذي يسعى له لكن إن حصل عليه فتراه لا يرى إلا نفسه! السياسة التي أصبحت تفرق بين أبناء الوطن الواحد بل أصبحت تفرق بين أبناء الأم الواحدة.
وعلى مستوى الاقتصاد الذي أصبح عنوانًا للسرقة فأصبح أغلب التجار يتملكهم الطمع والجشع ويتربحوا من وراء تجارتهم أكثر مما ينبغي أن يربحوه بأضعاف مضاعفة، فيزيدون في ثمن السلعة أكثر من النسبة الشرعية أو القانونية التي يجب أن يضيفوها على تكلفتها فتكون هي فقط ربحهم، لا أن يُحدد ثمن السلعة كل تاجر بما يهوى. وتذكرت الأزمات الاقتصادية التي كانت من المفروض أن تولد حالة من التكافل بين التاجر والمستهلك لا أن يُحمل التاجر عبء الأزمة على المستهلك وحده وكأن المستهلك هو السبب فيها، فكان أغلب التجار يستغلون الأزمات الاقتصادية أبشع استغلال.
فكانت هذه بعض الجوانب التي تأملت فيها ولم تُتح لي تلك الفرصة بأن أتأمل في جوانب أُخرى لأن صباحي لم يطل والليل في الأجواء حل وغطى كل شيء في المدى ورأيت النجوم محلقة فذهبت من مكاني متحسرًا على غفلة الفرد والمجتمع، وكان يدور في عقلي سؤال على سبيل الاستفهام والتعجب: ألم يأن لهذه الأمة أن تفيق من غفلتها؟!
فما هو الحل الأمثل على مستوى الفرد ليستفيق من غفلته؟ حتى وإن كان البعض لم يقع فيها فعليه أن يعلم كيف يتجنبها لكي لا يمر بها، فالحل في أن يسلك الإنسان طريق العقل الذي من وظائفه التساؤل الدائم، فيتساءل عن غايته الحقيقية في الوجود، وبناء على إجابته لهذا السؤال سيسعى إليها دائمًا في حياته وسيستمد منها قدرته على إكمال طريقه والوصول إليها، ويجب عليه أن يربط كل خطوة في طريقه هذا إلى غايته وينسب كل خطواته إليها، ففي هذه الحالة فقط سيتخطى تلك الغفلة، ولن يقع فيها أبدًا منْ لم يمر بها.
وعلى مستوى المجتمع فيجب أن يكون لديه معرفة واضحة بغاية تلك الجوانب التي ذكرتها ومع الجوانب الأُخرى، فإن كان الفن لا يحثك على اكتساب الأخلاق وكيفية الحفاظ عليها، وإن كانت السياسة عنوانًا للتفرقة والأنانية والإعلاء من المصلحة الشخصية بدلًا من المصلحة العامة، وإن كان الاقتصاد يُعزز من جشع النفوس وكيفية الاستغلال والسرقة كلما أُتيحت الفرصة… ففي هذه الحالة سنرى المجتمع يتسافل ويتقهقر إلى الهاوية بدلًا من تحقق الغاية من تلك الجوانب في تحقيق التكامل للمجتمع والنهوض به من وحل الظلمات إلى نور الفضيلة .
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.