علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

ستترك أثرًا وجرحًا بشعًا في عقلية المصريين كلهم

في التسعينيات كان هناك برنامج شهير في الولايات المتحدة الأمريكية اسمه برنامج جيري سبرينجر (The Jerry Springer Show)، برنامج كان يقدمه محامٍ يهودي سيئ السمعة اسمه جيري سبرينجر، يعتمد على الفضائح وتقديم تصرفات صادمة للجمهور، قصص زنا وخيانة ودعارة وشذوذ.

حقق البرنامج انتشارًا واسعًا ومشاهدة واسعة، لأنه يقدم قصصًا شاذة مقرفة تخالف أي أخلاق أو عادات أو تقاليد أو دين، وهذا يعجب فارغي العقول الباحثين عن موضوع للكلام في جلسات الفراغ والنميمة، الأشخاص الذين يعيشون حياة بائسة مملة ويبحثون عن أي إثارة لتحريك الركود والملل، تحت شعار: “شوفت كذا؟! يااه!”.

بالتدريج أصاب المجتمع الأمريكي الملل من هذا النوع البائس من البرامج، وبعد نحو 30 سنة توقف البرنامج بعد أن أصبح مكررًا ومملًا.

كما اتضح كثير من الفساد والفضائح الأخلاقية لهذا المحامي اليهودي، فضلًا عن أنه كان يؤجر أشخاصًا من الأحياء الفقيرة ويعطيهم بعض المال لتمثيل فضيحة أو خلاف عائلي أو أسري أو قصص الخيانة والرذيلة!

لكن البرنامج رغم فشله، لكنه ترك في المجتمع الأمريكي أثرًا كبيرًا حتى اليوم، وهو نظرة المجتمع لنفسه، أصبح الأمريكيون كلهم يعتقدون بداخلهم أن الخيانة أمر عادي وقبح الألفاظ طبيعي ومنتشر في المجتمع الأمريكي، حتى لو كان هو نفسه يعتقد أن هذا خطأ وعيبًا ولا يفعله!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

اليوم من يتحكم في خوارزميات وانتشار تريند في مصر يلعب نفس لعبة (The Jerry Springer Show). ينشر قصصًا شاذة وصادمة ومقرفة للمجتمع، كلها تدور بشأن الجنس والخيانة وقلة الأدب والوقاحة والغش والأخلاق الوضيعة.

كل يوم نجد على مواقع التواصل الاجتماعي قصة جديدة، فتاة عملت كذا، شخص عمل كذا، زوجة عملت كذا، إلخ، ويتحول الموضوع إلى مجال الحديث والحوار في جلسات الفراغ والنميمة.

بالتدريج بعد عدة سنوات سيشعر المجتمع المصري بالملل، وتتوقف هذه الترندات، لكن ستترك أثرًا وجرحًا بشعًا في عقلية المصريين كلهم، وهي احتقار الذات والشعور بالقذارة، وأن يرى المصريون أنفسهم أنهم المجتمع الذي ينتج ويخرج هذه الحالات المشوهة والحقيرة المقرفة.

تمامًا كما فعلت أفلام السبعينيات والثمانينيات، التي رسمت المصريين على أنهم شعب من الراقصات ومدمني المخدرات، حتى صدق المصريون هذه الصورة عن أنفسهم، ونسوا حقيقة أن أغلب المصريين هم الفلاح المكافح والعالم المجتهد والشيخ المبدع والرجل المحترم والأم الفاضلة والطبيب الشاطر والتلميذ المتفوق والصانع الماهر، إلخ.

حتى أصبح المصريون ينظرون إلى بعضهم بشك وقلق وكراهية، وأصبح غير المصري لا يرى غير صور مشوهة شاذة غير حقيقية!

كره المصريون أنفسهم وأصبحوا ينظرون إلى أنفسهم مع شعور بالدونية واحتقار الذات. كل شخص يتكلم كثيرًا عن انتشار الفساد والفجور والانحلال، وعن الترند المنتشر “وسمعت فلان عمل كذا! وفيه واحدة عملت كذا! ويقول لك الموضوع كذا منتشر في مصر!”.

اسأله: هل أبوك وأمك وأقاربك يفعلون هذه الأفعال؟ هل البيئة التي تعيش فيها وجئت منها يعدون هذه الأفكار البذيئة شيئًا طبيعيًا في الحياة اليومية؟!

هل عندك إحصائية بعدد هؤلاء المنحرفين؟ أم قصة وحالة فردية شاذة يهلل لها الإعلام والميديا وفارغي العقول؟!

مقالات ذات صلة:

ثقافة التريند!

لماذا يكذب الإعلام

الجرائم الأسرية

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. خالد عماره

الاستاذ الدكتور خالد عماره طبيب جراحة العظام واستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة عين شمس