بيت مليء بالأطفال، ولكنه هادئ بطريقة غير طبيعية! فما السبب؟
الطفل والهاتف و الشهوات
في بيت تكاد لا ترى فيه أثرا للحياة لسكونه المميت الشبيه بالمقبرة، إلاّ من خرير مياه تتساقط أرضا بسبب فيضان (حوض) المطبخ و الذي مرت عليه ساعات على هذا الحال!لا أحد هنا يكترث لما يحدث حوله، فهذا ليس عالمهم، فهم ينتمون لعالم الشهوات ، فهناك يعكف طفل في الرابعة من عمره على هاتفه الذكي مغلقا خلفه باب عالمه بإحكام، لم يعد يكترث لما يحدث حوله.
هكذا تعلّم، فعندما فتح عينيه ﻷول مرة في حياته و بدأ يعي لما يحدث حوله لم يجد سوى ذلك؛ أب و أم من جيل التكنولوجيا والشهوات المادية التي أضاعت منهم مفهوم الأسرة الحقيقي و دفعتهم لمفهوم أسري عصري.
عصر الشهوات
في عصر يتسابق فيه عبيد الدرهم و الدينار و الدولار لإيجاد ما يروي الشهوات المتعطشة لكسب المال بطرق غير مشروعة غير آبهين لمصير ضحايا جشعهم و أنانيتهم، مخلفين الدمار و الدماء و الصراخ و البكاء فقط ليحيوا هم حياة مرفّهة، و يبنون حضارة مادّية، و ينشؤون أجيالا على أساس فاسد لا يقبل به عقل سويّ.
هؤلاء- أتباع الشهوات- يمتلكون قلوبا تنبض كما يمتلك بقية البشر، و أرواحا كما يمتلكون -مع الفرق الشاسع بين مسالكهم- فلماذا يعميهم عطشهم الماديّ عن رؤية غيرهم من البشر، و أنّ من حق الآخرين الحياة تماما كما هو من حقهم؟
الإجابة: فقط لأنهم ألغوا عمل عقولهم و تركوا أرواحهم في مهب الأهواء والشهوات البعيدة كل البعد عن الفضائل الإنسانية السامية.
أين العقلاء ؟
في هذا العصر الغريب نرى البعض يسعون إلى اعتزال العامة و تركهم يواجهون مصيرهم وحدهم . والنتيجة أنّهم يسلّمون بفعلتهم رقاب أخوتهم لعطشى المادة ويدّعون بذلك تقربهم من دينهم ليشبعوا أرواحهم! فيعيشون بواد غير واديهم. هؤلاء -و إن كانوا لا يعلمون- فإنّ نظرتهم الضيقة تلك دليل كبير على أنانيتهم.
و نرى كذلك القلّة من البشر من ذوي العقول في زمننا اليوم يسعون لنيل ثواب الدارين؛ فنراهم يشبعون عطش أرواحهم بالذود عن الضعفاء وأصحاب الحقوق في وجه الأقوياء سالبي الحقوق إعمالا للعقل الذي يدعو لتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ويدعو للوقوف بجانب المستضعفين والمحرومين، لأنهم يدركون تمام الإدراك أنهم و إن عاشوا في واد غير واديهم فحتما سيصيبهم السيل الجارف يوما ما في مقتل و يتمنّون لو عاد بهم الزمن لتصحيح مسارهم الأعوج، فيمدّون يد العون لأصحاب الحقوق ويقفون بوجه المعيب ذي الخلق الذميم الذي يدعو لإشباع الشهوات بالطرق الملتوية الخارجة عن إطار فطرة العقل السليم بالاستيلاء على حقوق الأخرين ممن يشاركونهم الحياة على وجه الأرض.
بين السعادة الحقيقة والشهوات
في النهاية، رجاءً من كل الآباء والأمهات وصناّع الأجيال أن يسعوا لتربية إنسان يلتفت للمجتمع و يسعى لتطويره لا أن يدير ظهره لأبناء جلدته ويهتم فقط بلذاته الشخصية، ويعلموا على دمجه في الحياة الاجتماعية ليتعلم الشعور بمن حوله والاقتصاد في جميع أمور حياته والتفريق بين الشهوات واللذات الوهمية وبين السعادة الحقيقية التي تقتضي المعرفة والعدل في كل شيء، والتي هي بالفعل ما تروي عطش الروح.
اقرأ أيضا:
لُب الزيتونة .. البحث عن السبب الجذري أفضل من معالجة الآثار الناتجة عنه
أخلاقيات العمل .. كيف ننمي الأخلاق داخل بيئة العمل!؟
هاري بوتر والجمل الطيب .. تأثير الإعلام والأضرار التي يقدمها لأطفالنا الصغار
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط
ندعوكم لزيارة قناة الأكاديمية على اليوتيوب