مقالات

عبقرية المقاومة

رحم الله صاحب “العبقريات” الذي قدم للعقل المسلم في العصر الحديث زادًا لا ينفد، في كل ما يتصل بالفكر والوعي والشمول في المعرفة والإدراك بالنفس والوجود، وغفر الله لأحد علماء الدين الذي تحدث وهو يشير إليه من بعيد قائلًا: “أولئك الذين آمنوا بعقولهم، ولم يخالط الإيمان شغاف قلوبهم”. وهو قول خطير كما نرى، لأنه يتحدث عن مكنون القلوب، الذي لا يعلمه إلا الله.

سأتوقف هنا لحظة، عند نقطة هامة للغاية في مسارات البشر في الحياة، وهي “الذات الإنسانية”، وصدق من قال إن “ذات الإنسان” هي شاغله الشاغل، ودائمًا هي في مقارنة ساخنة مع الآخرين، بل ولا تكاد تشعر تلك الذات بنفسها إلا عن طريق الآخرين.

المفكر الفرنسي سارتر على أخطائه كلها، إلا أن مقولته: “الجحيم هم الآخرون” صحيحة.

وأهل الطريق إلى الله يعدّون التخلي عن”الخَلْق” والاعتصام بـ”الحق” سبحانه وتعالى، أحد أهم غاياتهم في الوصول والمعرفة.

وسيسبقون فلاسفة الغرب كلهم في رحلة “المعرفة بالنفس” التي تنتهي بالمعرفة بالله العزيز الحكيم، إذا صح فيها السير، وكانت متجردة من الهوى هوايا.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وقصة التجرد هذه أحد أهم أدوات الرحلة، التي سنراها عيانًا بيانًا في نماذج عملية فينا ومنا وبيننا. حكى لي أحد الأصدقاء أنه ركب تاكسي وكان السائق الثلاثيني يستمع إلى تسجيل للشيخ الشعرواي وهو في غاية التأثر بما يسمعه، واستوقفه في المشهد بمكوناته كلها “شعاع خفي” يكاد يضيء اللحظة كلها، ما هو هذا الشعاع؟ “الإخلاص”! كان الشيخ الشعرواي رحمه الله أحد أساتذة فن الإخلاص في عصرنا الحديث.

وتلك أيضًا كانت أحد أهم صفات الأستاذ العقاد رحمه الله، ليس فقط لشعوره الجارف بمواهبه ونعم الله عليه التي جعلته يطل على مشاهد الدنيا والناس من فوق، من علالي كما يقولون، لكن لأنه كان عميق الإيمان بوجوب التجرد والإخلاص، في كل ما يتصل بالقرب من الله سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه تعالى علوًا كبيرًا عما يشركون.

بل إنها من “حقارة النفس” أن يعمل الإنسان عملًا أو يقول قولًا، هو يشرك أحدًا أو شيئًا مع “الله”، والعقاد كما نعلم جميعًا كان شديد الاعتزاز بنفسه، وأصحاب هذه الصفة بالذات سنجدهم ينأون بأنفسهم دائمًا عما دون الله.

ألا كل شيء ما خلا الله باطل** وكل نعيم لا محالة زائل

كما قال الشاعر القديم لبيد. الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصف هذا البيت بأنه أصدق كلمة قالها شاعر.

دائمًا ستجد أهل الصدق والإخلاص يقفون في حالة من الوعي بالذهول، والذهول بالوعي أمام قوله تعالى: “أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ”، العبارة تتسع وتتمدد بامتداد الوجود كله لما فيها من المعنى، وتكاد تدغدغ الحجر مما تحمله من حمولات هذا المعنى.

أتصور أن ما نراه الآن في غزة أحد أروع تجليات هذه الآية، سواء في مشاهد الحزن المسكون بالدم والدموع من أهلنا في القطاع، أو من مشاهد القوة والثبات من المقاومة، فوق الأرض وتحت الأرض، وقد رأينا أمس عملية “السيف المكسور” التي تعد استفتاحًا فتوحًا لرئيس الأركان الجديد الذي انكسف على نفسه، وترك جنوده يُقتلون في غزة وذهب إلى الجولان، يستعرض “قفاه” العريض.

جحيم ترمب الذي توعدهم وتوعدنا به، وضعوه تحت حذائهم، لقد بصقوا على الرجل وتهديداته، بكل كبرياء وعزة طوال الأربعين يومًا الماضية، وقد رأينا كيف كان مشهد الأم التي تقبل قدمي ابنها الشهيد وتغسلهما بدموعها اعتزازًا منها باستشهاده، ومن رحمة الله وتوفيقه ونصره أن يكون ما تقدمه المقاومة المسلحة من تأصل وإبداع يساويه تمامًا ما يقدمه الأهالي في الصبر والصمود.

“عبقرية شاملة”! المقاومة بالسلاح والدم وثبات القدم، والمقاومة بالصبر الجميل على الحزن والألم، مشاهد امتزجت فيها الحقائق بالمشاعر.

توفيق لا يكون إلا من الله، أن تجتمع في أذهان الأمة في هذا التاريخ العصيب، صورة الحاج يحيى وهو يضرب المسيرة بعصا في يده اليسرى، بعد أن ضربت يده اليمنى، وصورة الأم التي تمسح قدم ابنها الشهيد بوجهها ودموع عيونها.

الشهداء الذين اتخذهم الله من المقاومة المسلحة، وعلى رأسهم الحاج يحيى ومحمد الضيف ومروان عيسى كانوا آية من الله، وتثبيتًا للمقاتلين، وأهالي المقاتلين وأبناء المقاتلين وآباء المقاتلين، ليتذكرهم الناس وهم يودعون أنفسهم وأبناءهم.

موقف “رباني” خالص، أن يصر الحاج يحيى على القتال بنفسه وسط المقاومة، وهو القائد الذي يرسم الاستراتيجية ويصنع القرار، وليكتمل المشهد بتصوير”عدوه وعدونا” له في لحظات القتال هذه، ويراه العالم كله، في أسمى المواقف وأعزها التي يحلم بها الأبطال في أساطيرهم.

لقد سقطت المساقط كلها في هذه الجولة الأكبر من صراعنا مع الغرب، لم نعد نسمع عن داعش والنصرة وهذه المساخط كلها المسخوطة في دهاليز المخابرات الغربية. لم نعد نسمع كلامًا عن الاغتصاب والذبح، وكل ما في تاريخهم هم من قاذورات عن أنفسهم بأنفسهم.

كما حدث للألمانيات بعد دخول الحلفاء برلين سنة 1944م، وأخبرنا به الدكتور روبرت ليلى أستاذ علم الاجتماع والجريمة بجامعة تينسي، في كتابه “أُخذ بالقوة”، وسنعرف أن عدد الاغتصابات التي ارتكبها الجنود الأمريكيون والبريطانيون والفرنسيون والروس أيضًا في ألمانيا تقترب من 190000 امرأة وفتاة! هذه وقائع حقيقية من تاريخهم هم الذين تحروا عنها وكتبوها ووثقوها بأيديهم.

لماذا يمنع جهاز “الشاباك” الأسرى الإسرائيليين المفرج عنهم من التحدث في الإعلام؟ أكاد أرى ما عاشه هؤلاء الأسرى من احترام وكرامة مع “وحدة الظل” التي كانت تحرسهم.

هؤلاء الأسرى سيكونون أحد أهم معاول هدم أساطين الأكاذيب والضلال، ليس في إسرائيل فقط لكن في الغرب كله، مثلهم مثل الآلاف، الذين يخرجون كل يوم في عواصمهم وجامعاتهم يصرخون باسم الإنسان في فلسطين وغزة.

وزارة التعليم الأميركية قررت تجميد الدعم الحكومي المخصص لجامعة هارفارد (2.2 مليار دولار)، لعدم اتخاذها ما يكفي لمكافحة التظاهرات الداعمة لفلسطين، لم يفكر الوحوش أن هذه الجامعات هي التي تمنح أمريكا أهم أدوات قوتها الأدبية والعلمية في العالم، قد تكون فعلًا على حق! فلم لا ننتبه؟

لكن الباطل الزهوق دائمًا ما يختار لنفسه أسفه المواقف وأسوأها ويتخذها.

“هل تركنا رب موسى وهارون؟ هناك قوة خفية تساعدهم وتحارب معهم منذ 7 أكتوبر، لا أفهم ماذا يحدث؟!”، هل تذكرون هذه الجملة؟ ومن الذي قالها؟ إنه داني ياتوم “80 سنة” رئيس الموساد الأسبق، ومتى؟ من الطلعة الأولى للطوفان، رجل مخابرات عقر، يعني ما يقول ويقول ما يعني، واختتم بقوله وقتها في جريدة يديعوت أحرونوت: “نهاية دولة إسرائيل تقترب حتمًا”.

الجنرال القديم يعرف وينكر في الوقت نفسه أن كل ما حدث من اليوم الأول كان “بسم الله الرحمن الرحيم”.

تأصل وتأصيل لكل موقف وخطوة اتخذها الأبطال قتالًا وتفاوضًا، وإبداع وابتكار في الوسائل والأدوات كلها، وما العبقرية ألا تأصل وإبداع، وما التوفيق إلا إخلاص وإصرار.

مقالات ذات صلة:

المقاومة تقدم الاختيار الأخطر: يالطا أم حطين؟

حق المقاومة وإيجاد المعنى

ذئاب حول الأسد

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. هشام الحمامى

رئيس المركز الثقافي اتحاد الأطباء العرب – عضو الأمانة العامة والمجلس الأعلى لاتحاد الأطباء العرب – مدير الشئون الطبية بقطاع البترول