ضحايا الغايات الصغيرة

يحكى أن رجلًا كان يعاني الأمرّين من انتشار الكتن (حشرة مزعجة جدًا تقلق النوم وتسبب قرصتها حساسية) في فراشه بمنزله. وفي أحد الأيام اندلع حريق في بيته وكان خارج البيت، فلما أتاه الخبر بالفاجعة الكبيرة، تذكر معاناته مع هذه الحشرة وقال ببرود: “حالية في الكتن” (بمعنى تستاهل)، أي ما دام أن الحريق سيقضي على الكتن، فليحترق البيت. وهذا يشبه إلى حد بعيد من لا يهمه احتراق قرية ما دام سيسلق على نارها بيضته.
من أخطر ما يصيب الإنسان أن تتحول خصوماته الجزئية إلى عدساتٍ يرى منها العالم كله، فيفقد القدرة على التمييز بين ما ينبغي إصلاحه وما يجب الحفاظ عليه. فالرجل الذي هان عليه احتراق بيته لأن النار ستقضي على حشرة أقلقته لم يكن يعاني مشكلة في تقدير حجم الخسارة فحسب، بل اضطرابًا في ترتيب الأولويات.
ذلك أن العقل حين يستغرق في أذى محدود قد يعجز عن رؤية الكارثة الأكبر التي تلوح أمامه. وهذه الظاهرة ليست حالة فردية عابرة، بل نمط نفسي يتكرر في الأفراد والجماعات والمؤسسات، إذ تدفع الرغبة في التخلص من خطأ جزئي إلى التساهل في هدم بناء كامل، كأن النجاة من الإزعاج الصغير تبرر ضياع المكاسب الكبرى.
وفي المجال العلمي تتجلى هذه المشكلة بصورة أكثر خطورة، إذ قد يرى بعض الناس خطأً في باحث، أو خللًا في اجتهاد، أو ضعفًا في موقف، فيندفعون إلى نسف المنهج بأكمله، لا لأن المنهج فاسد في ذاته، بل لأنهم يريدون إسقاط شخص أو الانتصار لرأي أو تصفية حساب فكري.
هنا يصبح البناء العلمي الضحية الحقيقية. فبدلًا من معالجة الخطأ في موضعه، يهدم الأساس الذي قامت عليه المعرفة، وتستبدل المناقشة المنهجية بلغة التشهير والانفعال. كأن صاحب هذا المسلك يقول بلسان الحال: لا بأس أن يحترق البيت كله ما دام “الكتن” قد لقي مصيره.
غير أن النار التي تلتهم الخصم اليوم لن تتوقف عند حدوده، بل ستصل غدًا إلى كل ما كان يوفر للناس الأمن المعرفي والاستقرار الفكري.
ومن المنظور التربوي والاجتماعي، فإن هذه العقلية تمثل أحد أوضح تجليات الأنانية المقنعة بثياب المبدأ. فصاحبها لا ينظر إلى المصلحة العامة بقدر ما ينظر إلى المكسب الذي سيحققه هو أو الفريق الذي ينتمي إليه. لهذا صدق المثل الآخر في وصف من لا يهمه احتراق القرية ما دام سيسلق على نارها بيضته.
إن التربية الراشدة لا تنشئ إنسانًا يفرح بانتصار موقفه إذا كان ثمنه انهيار المؤسسة، ولا تحتفي بإثبات صحة رأيه إذا كان ذلك يؤدي إلى إضعاف الحقيقة نفسها.
فالعقول الكبيرة تفكر في سلامة البيت قبل التفكير في البق (الكتن)، وفي بقاء القرية قبل التفكير في سلق البيضة، لأنها تدرك أن إصلاح الأخطاء لا يكون بإحراق الأصول، وأن حماية المنهج أحيانًا أهم من الانتصار في معركة عابرة، لأن ما يهدم في لحظة غضب قد يحتاج إلى أجيال طويلة حتى يبنى من جديد.
مقالات ذات صلة:
لماذا جهازك العصبي متعب وروحك جائعة
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا