مقالات

القوة الصامدة .. والقوة الغالبة

يقولون إن القوة التي تصمد أولى بالاحترام والتقدير من القوة التي تغلب، وهذا صحيح، لأنها تدافع فتقوى على الدفاع وهي لا تمتلك العدة الكافية للغلبة والانتصار.

التاريخ والمؤرخون لا يتعجبون مما حدث لعالم الإسلام من القرن العاشر حتى القرن الحالي من هجمات وضربات خطيرة، إنما كان التعجب من تلك القوة التي صمد بها وما زال بفضل الله سبحانه وتعالى يشغل هذا الوجود الواسع في العالم.

فالحملات الصليبية الثمانية التي استمرت على مدى قرنين، كانت كفيلة بمحو أي أثر للأمة الإسلامية.

قبل الحملات الصليبية وبعدها، كانت هجمات المغول الذين كانوا يتفننون في الفتك والتدمير والإبادة، ثم جاءت الحملات الاستعمارية، التي اقتسمت عالم الإسلام من الدولة العثمانية (الدولة الجامعة) وكانت قوة الصمود كالمعتاد تفوق قوة التغلب.

ضربات لم تصمد لمثلها إمبراطورية من إمبراطوريات التاريخ.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وأتصور أن موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من “الدولتين الأعظم” في زمنه، كان جزءًا لا يتجزأ من كمال الدين وتمامه، فقد أرسل الرسول الكريم إلى كسرى رسالة يدعوه فيها إلى الإسلام، وتبعتها بعض السرايا، وقاد بنفسه جيشًا ليحارب القيصر في عقر داره، غزوة “تبوك”، والفارق بين القوتين يومها فارق هائل.

والمعنى واضح في هذا الموقف التاريخي الكبير الذي كان “الإيمان” الرافعة الأساسية فيه، لا موازين القوى المتعارف عليها.

ثم ما لبث المسلمون أن هزموا الدولتين معًا في بضع سنوات.

القياس غير وارد هنا بين قوة هذه الإمبراطوريات التي كانت تتسيد العالم وقتها، وبين قوة هؤلاء القادمين من وراء الصحراء، أو من وراء الغيب، كما يقول لنا الأستاذ العقاد رحمه الله في كتابه الهام “الإسلام في القرن العشرين”.

هذا الغيب الذي جاء من ورائه هؤلاء الفاتحون، سر الأسرار في قوتهم وقتها وبعدها وإلى آخر الزمان. كانوا به غالبين وقت تحركهم بالرسالة إلى باقي الدنيا، وكانوا به صامدين وقت أن تآلبت عليهم الدنيا.

وأذكر من حديث الأستاذ طارق البشري رحمه الله حين قال لأحد الأصدقاء ذات مرة: هل تأملت في أن تكون أول صفة من صفات المتقين في أول سورة من سور القرآن هي الإيمان بــ”الغيب”.

المعنى مفهوم، ويبدأ من الإيمان بذلك السر الذي يسري في كيان الإنسان فيجعله حيًا من الأحياء، واذا اختفى صار ميتًا من الأموات، ومَن مِن عقلاء الدنيا لا يؤمن بهذا السر؟!

وعليه فسيكون سهلًا على أي عاقل أن يؤمن بكل معاني الغيب الذي جاءت به آخر رسالة سماوية إلى بني البشر، لتجعلهم مطمئنين في الحياة إلى معنى وجودهم، وإلى مصيرهم بعد أن تنتهي هذه الحياة.

قد يتفق أحدنا أو يختلف مع إيران للأسباب المعروفة سلفًا، لكنها قدمت نموذج “القوة الصامدة” الذي عاشه المسلمون في فترات تاريخية طويلة كما سبق.

هي هنا تقدم النموذج التاريخي الأمثل الذي قرأنا عنه وقت المغول والصليبيين، الذين لم يكونوا على معرفة بمعنى الانتصار والتغلب إلا بقدر البشر الذين قتلوهم والبيوت والبنايات التي دمروها.

نحن أمام واقع يستدعي التاريخ رغمًا عنا، فها هما أمريكا وإسرائيل معًا لم يحققا أي شيء من حربهما هذه إلا القتل والتدمير، حرفيًا لم يفعلا شيئًا إلا ذلك.

وحتى بعد أن تراجعت أمريكا وجلست تتفاوض مع إيران، استمرت إسرائيل في ممارسة النهج نفسه في لبنان وغزة، إلى حد أن ترامب نفسه علق على هذه الدموية والشراسة فقال: “هؤلاء الإسرائيليون لا يعرفون إلا هدم المباني في لبنان”.

والمسألة عنده ليست في الفعل لكن في توقيت الفعل، لأنه فعل في إيران أكثر من ذلك وفعلوا جميعًا في غزة أفظع من ذلك، وهم لا يتعاملون معنا إلا كذلك.

هو فقط يريد أن يخرج من هذا الوضع المزري الذي هو فيه بأسرع ما يمكن، لأن المسألة أصبحت الآن في دائرة الخطر، على مستوى الداخل الأمريكي وعلى المستوى الدولي.

وما أسخف السخف حين اجتمعوا جميعًا في “قصر فرساي” وهم يوقعون مذكرة التفاهم! المكان نفسه الذي وقعوا فيه انتصارهم في الحرب العالمية الأولى!

أنا لا أتصور أنهم بهذا القدر من التفاهة! لكنهم بالفعل عجزوا عن تحقيق مرادهم أمام “القوة الصامدة” في إيران، ويحتاجون إلى أي صورة تحفظ لهم وضع “السيد”.

ها هي أوروبا التي قالت أن هذه الحرب ليست حربها من قبل، تفتح ذراعيها لاحتضان هذا المشهد التمثيلي بالغ السخف، فتكون جنيف وباريس عواصم التوقيع والاحتفاء! لا إسلام أباد التي انطلقت منها الوساطة والمفاوضات.

لكننا جميعًا استقبلنا اجتماع وزراء خارجية الدول السنية الأربع الكبيرة “مصر والسعودية وتركيا وباكستان” في القاهرة بحفاوة واهتمام، خصوصًا في التوقيت نفسه الذي كان يجري فيه ما يجري في أوروبا، غزة تحتاج إلى جهود هذه الدول الكبيرة وكذلك لبنان وسوريا وليبيا والسودان.

التاريخ شئنا أم أبينا يتحرك إلى الأمام في مساراته، والعبرة ليست فقط في الحركة بموازاته، لكن في فهم العوامل التي جعلته يختار هذه المسارات في حركته، والعمل على تطويعها والمشاركة في توجيهها.

القوة الصامدة في غزة على مدى سنتين كانت “حجة” على كل من يسكنون هذه الديار في عالم الإسلام.

هناك فئة امتلكت الجرأة والمبادرة، وشعب امتلك الإرادة والصمود، وعدو دموي وهمجي وشرس.

وأتصور أن هذه القوة الصامدة كانت ملهمة بما يكفي لإيران لتصمد طوال هذا الوقت، وهي ما زالت صامدة.

حطين لم تكن المعركة التي أنهت الوجود الصليبي في الشرق، عين جالوت لم تكن المعركة التي أنهت الوجود المغولي في الشرق.

وبصرف النظر عن دقة المقارنة بينهما وبين ما يحدث الآن في عالم الإسلام، إلا أن المقاربة هنا ضرورية.

وهي الجرأة على المواجهة مهما كانت النتائج، لأنه في المحصلة صراع حق وباطل، وقضى الله أن الحق يزهق الباطل، مهما تنوعت جولاته وصولاته.

مقالات ذات صلة:

حين تصبح الحقيقة امتحانًا

لن تكون حربهم الأخيرة

حيى المشد وصراع القوة في الشرق الأوسط

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. هشام الحمامى

رئيس المركز الثقافي اتحاد الأطباء العرب – عضو الأمانة العامة والمجلس الأعلى لاتحاد الأطباء العرب – مدير الشئون الطبية بقطاع البترول