إصداراتمقالات

سيف

سيف

غَائِبَةٌ هِيَ عَنِ الوَعَيْ.. تَسْتَيْقِظُ عَلَىٰ صُرَاخِ الرَّضِيع، تَنْظُرُ بِحُنُوٍّ بَالِغ إِلَيْه؛ نَظْرَةَ تُجَلِّيهَا الشَّفَقَة وَ التِّحْنَانْ، ثُمّ لا تَلْبُثُ أَنْ تَفْقِدَ الوَعْيَ ثَانِيَةً فَقَدِ اطْمَأنَّتْ!

تَأْخُذُ المُمَرِّضَة الرَّضِيعَ -علَىٰ عَجَل- تُنَظِّفُهُ وتُدَثِّرُه وَتَضَعَهُ حِينًا مِنَ الزَّمن فِيٰ سَرِيرٍ دَافِئ يُكْسبُهُ الدِفْء والحرَارة اللازِمتَين لِجسَدِه الغَّضِ الطَرِيِّ، فَالبُرُودَة قَاتِلَة! بِعَيْنَين فَاحِصَتَين مدقِقَتين، يبَحَثُ طَبِيبُ الأطْفَال فِي الجَسَدِ الصَغِير عَنْ أَيِّ شَئ لَا يَبْدُو طَبِيعيًّا، دَقَائِق مَعدودة ويُنْهِي الطَبيب الفَحصْ مُشِيرًا بأنَّ بإِمكَانِ أَبيه أَن يَرَاه.

تَتَسَابَقُ المُمَرِّضَاتُ عَلَىٰ حَمْلِ البُشْرَىٰ أو المَولُود، مُبَارَكْ -أَيُهَا الوَالِد- رُزِقْتَ بِوَلَدٍ جَميل.. بَارَكَ اللهُ لك!

يَنْظُرُ الأَبُ الجَدِيد بِانْدِهَاشٍ بالِغ تَحُوطُه الفَرْحة، حتَّىٰ أَنَّهُ تَخَشَّبَ فِي مَكَانِه -كَأَنَّهُ كُرْسِيّ- لَا يَدْرِي مَاذَا يَفْعَلْ مِنْ فَرْطِ الفَرْحَة والمُفَاجَأة!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

المُمَرِّضَة-ضَاحِكَةً- هَلَّا حَمَلْتَ الطِفْلَ يَا أبَا سيف ؟! أخْبَرَتْنِيٰ -خالَتُه- بِأنَّكُم سَتُطْلِقُونَ عَليْهِ – سيف – وأَنَّهُ المُولود الأوَّل لَكُم، هنِيئًا لكم وبوُرِكَ فِي المَوهُوب وشَكَرْتَ الوَاهِبَ وَرُزِقْتَ بِرّه وبَلغَ أَشُدّهْ.

انْتَبَهَ الأَبُ سَرِيعًا، وكَأنَّهُ اسْتَيقَظَ مِنْ حُلْم لَا يُصَّدِّقُ أَنَّهُ وَاقِع؛ فَحمَّلَ الطِفْلَ وأَخذَ يُكَبِّرْ فِي أذُنِه: اللهُ أكبر.. اللهُ أكبر.. أشهدُ أن لا إله إلا الله.. أشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله.

تِسْعَة أَشْهُرٍ كَامِلة بِانتِظَار هذا الطِفُل لِيُولَدُ بِلا حَولٍ مِنْهُ ولَا قُوّة؛ يَصْرُخُ وَيَتلَمَّظُ مِنَ الجُوعِ لِتَهْرَعَ أَمَّه تَلْثُمُه وَتُلْقِمهُ ثَدْيَهَا، وهِيَ مُنْهَكَة بَعُدَ آلامِ المَخَاض .. كُل يَا صَغِيرِي هَنِيئًا مَرِيئًا بِلَا حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّة. يَبْكِي هُنَيْهَة، فتُقبِلُ علَيهِ تُنَاغِيه وتُقَبِّلُه.

يُصْدِرُ صَوْتًا غَرِيبًا أو يَتَحَرَّكُ حَركًة مُبَاغِتًة، فَتتبسَّمُ عَينَاها بِألَقٍ وسِحرٍ أخَّاذ.

كَيْفَ يَنْسَابُ إِلىٰ قَلْبِ هَذَا الصَّغِيرِ هَمًّا أو حزنًا قَط ورَحمَةُ الدُّنْيَا كلّهَا-أمّه-معه؟!

وَهْنًا عَلَىٰ وَهْن، هَكَذَا حملت بِه، لِتغْدِقُهُ بِالرِّعَايَةٍ والعَطْفِ والحنَان وَهُوَ فِي حِجْرِهَا، وَهَذَا الأَبُ الرَّحِيم الذِي لَا يَألُوا جهدًا فِي سَبيلِ تَوفِير كُل احتياجَاتِه ونَفقَاته.

يَاإلَهِيٰ، كَيفَ يَكونُ حَال هذا الطفل بِدُون أمِّه؟! أمّه التِي تُعطِيه من رُوحِهَا، ومِن نَفْسِهَا… بِضْعَةُ هُوَ مِنْهَا، يَا عَجَبًا!

يُبْصِرُ بِعَيْنِهَا الدُّنْيَا، يُبْصِرُ الجَمَال، يُبْصِرُ الرَّحمَة، يُبْصِرُ السَّمَاء، يُبْصِرُ الحِكمَة.

الوجود بالنسبة إليه أمُّه.

أنَّى لِهَذَا الطفل أن يُوَّفي حقَّهَا ويُؤدِّي شُكرَها وهِي السببُ في وجوده فِي هذِه الدُّنيَا؟!

لولاهَا مَا وُجِد!

لو أنَّهُ أنْفقَ مالَهُ كلّه فِي سبيل رِضَاهَا وصِحَّتِها، مَا كفَاهَا ولو زفرةً من آلامِ الوِلادة. هذا كلَّه والأمُّ وجودُ مُمكِن؛ وجودُها فِي هَذِه الدُّنيا مُحدَّدُ بزمَنٍ مُعَيّن فِي علم الغَيْبْ .. فَكَيْفَ بِوَاجِبِ الوُجودِ جَلَا وعَلَا؟!

كَيْفَ بواجبُ الوجود- مُوجد العِلَّه- الذي أوجد آدم، ثُمَّ جَعلَ ذُرِّيَتَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِين؟!

هَلْ يَظْلِمُك؟!

هَلْ إذَا مَنَع عَنْكَ شَيْئًا الآن.. هل يَكُون عِنْدَكَ ذَرَّة شئ مِنْ شَكٍ بِأنَّ مَنْعَهُ هُوَ عَينُ الحِكمَة ؟!

واهِبُ الوجُود الذي وهبَكَ أمًّا تَسْقِيكَ مِنْ رَوْحِها… كيف – بالله عليك- تَظُنُّه أَنَّهُ يُشْقِيكَ فِي حيَاتِك؟!

يَالجَهْلِكَ وحمَاقَتِك؟! هذا -لَعُمري- بُهْتَانُ عَظِيم!

هَبْ أَنَّكَ فِي سفَينَةٍ فِي عَرْضِ البَحر، وهَاجَ البّحرُ واشتّدَت الرِيحُ كَأنَّهَا ريحُ عَاصِفْ، وأنتَ لا حَولَ ولاقوّةَ لك وقد نَاءَت بِكَ السُّبل ونادَيت: أَمَّنْ يجِيبُ المُضُطَّر إِذَا دَعاه ويَكْشِفُ السُّوء؟!
تَسْتَجْدِي رَحْمَتَه..

كَيْفَ تَظُنُّ بِهِ السُّوء- آنذاك- وهوَ الذِي وهَبَكَ الرَّحمَةَ كُلّها المُمَثَّلة فِي أُمِّك؟!

صَغِيرًا كُنْتَ فِي عَقْلِكَ وأنْتَ رَضِيع، وحينَمَا شَبَبْتَ ورُزِقْتَ العَقْل اخْتَرْتَ أَنْ تُصِيبَهُ بِالعَبَث!! خَلِّ بيْنَكَ وبيْن عَقْلِكَ مِنَ حَاجِز المُيول النَّفْسِيَّة أَو الأغرَاضِ الدُّنيوِّية أوْ وَسْوَسَةِ الشَّيَاطِين مِنَ الإِنْسِ والجِن، وسَتَجِد أعلىٰ درجات الإِيمَان واليَقِين، وسَتَسْتَقِيم كمَا أُمِرْت!

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.

ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.

داليا عادل

طالبة بكلية الطب – جامعة المنصورة

باحثة ومحاضرة بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالمنصورة