مقالات

وستولدون معي من جديد في عامكم الوليد السعيد

عام مضى وعام جديد، وبينهما ستبقى “قصة وجودنا” نابضة بالحياة والأمل والفرح والانكسار وخيبات الظنون، مزيج من هذا وذاك، وتلك سنة الحياة لمن يدركون مغزى الحياة، فلا سرور يدوم ولا حزن يدوم ولا دوام إلا لملك الملوك.

يتبقى لنا مع رحلة الميلاد والرحيل لعامين، جديد وتليد أن نقف مع الذات “وقفة تأمل واستبطان ومكاشفة”، علنا نستلهم العبرة فوق “أطلال الرحيل” لنبدأ الجديد بوجه جديد وأمل جديد وتحد جديد.

أسرد لك اليوم –يا صديقي– “كشف حساب موجز” يبرز لك قصة “الأمس واليوم” بين راحل وجديد في مشاهد خمسة، كاشفة عن مكنون ذواتنا وفاضحة لستر أسرارنا، التي دفناها يومًا ما في سراديب ذواتنا العميقة ظنًا منا أن الميت لن يبعث من جديد، وهذه المشاهد هي:

مشهد المكاشفة

وهنا تتجلى قدرة المرء على أن “يفضح ستر ذاته بذاته لذاته”، مراجعًا أخطاءه وهفواته وسوء اختياراته وظلمه وبطشه واستبداده وكذلك ضعفه وذله وخذلانه، ليعيد تقييم ذاته بميزان “عدالة المكاشفة”، واضعًا نقاط عدله فوق حروف أيامه الجديدة في عامه الوليد.

مشهد المحاسبة

وهنا تتجلى قدرة المرء على “محاسبة الذات” بعد فضح سترها وكسر أغلال هروبها من الحقيقة، مصوبًا ومعالجًا ومؤمنًا بأن الحق لن تكسر شكوته تحت نعال الباطل مهما حاول –جاهدًا– أن ينكر ذلك، فحساب النفس مؤلم ومعاقبتها بالتصويب “غاية عظمى” لن يدركها سوى العظماء.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

مشهد الميلاد الجديد

وهنا تتجلى قدرة المرء على أن يراجع ما كان، مودعًا من خانه ومفارقًا من خذله ومجددًا لحياته بمنظور جديد، يرى منه ذاته الجديدة التي كتب لها الميلاد الجديد.

مشهد الاستفاقة من الوهم الكبير

وهنا تتجلى قدرة المرء على تجاوز “مثالياته الحالمة ورومانسياته البالية” ليدرك بوضوح طبائع البشر الذين يتخذون عقيدة المصالح دينًا مقدسًا، يعظمون ثوابته ويحجون إليه كل يوم باحثين عن الهوى البائس عبر صلوات مبتدعة آذانها المصالح والمنافع، ليعلن المستفيق –ها هنا– عن كفره بعقيدتهم واعتناقه لدين الحق الذي يلهمه الصواب في عالم ودّع الفضيلة وهجرها، كاتبًا لنفسه “ميلادًا جديدًا” في عامه الجديد.

مشهد الشجاعة المتمردة

وهنا تتجلى قدرة المرء على تجاوز ضعفه مقررًا:

  • التمرد على “خيبات ظنونه” فيمن باعوه يومًا.
  • التمرد على “صمته” الذي تعملق في أعماق ذاته.
  • التمرد على “قلبه” الذي كبله بقيود الوهم البائس المستحيل.
  • التمرد على “سذاجته” التي سلبته نخوته وعزة ذاته.
  • التمرد على “يأسه” الذي قتل أحلامه واغتال أمنياته.
  • التمرد على “عقله” الذي جسد له الضلال حقًا.

وهنا –أيها الأحبة– سيولد المرء ميلادًا جديدًا مستلهمًا العبر من تتابع الأيام والشهور والسنوات، مدركًا بوعي “فلسفة الوجود” الذي يجب أن يحياه كما ينبغي أن يكون، فحاسبوا أنفسكم اليوم وعاتبوها وافضحوا سترها واهتكوا مكنونها، علكم تولدون معي من جديد في عامكم الوليد السعيد.

مقالات ذات صلة:

“هارمونيا الأنا والذات والآخر في سياق التنوع”

كيف تتهذب النفس البشرية؟

إن الماء لا يقتل وكذلك الحياة فلا تخف

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ.د/ محمد جمعة

أستاذ أصول التربية ووكيل كلية التربية جامعة دمياط لشئون التعليم والطلاب