
كان يا مكان .. في كل عصر وفي كل أوان .. في داخل كل منا هناك طفل لحوح، يرغب في امتلاك الأشياء، يبكي و يضرب الأرض بقدميه حتى يحصل عليها، و ذلك لأننا نؤمن أن فيها السعادة، وبدونها تتحقق التعاسة. نرى في تلك الممتلكات منتهى آمالنا، فتسيطر على كل أحلامنا. يتحقق الحلم، نفرح بها قليلًا، ثم نمل منها ونتركها، نفتش عن غيرها، وتبدأ رحلة جديدة للبحث عن السعادة _ مرة أخرى.
إنها قصة متجددة لا تنتهي، ففي داخل كل إنسان رغبة متواصلة متأصلة للبحث عن السعادة أينما كانت وكيفما كانت، فيبحث عما ينقصه ويسعى إليه لتكتمل لديه أسباب السعادة. كثيرون يجدون بعض السعادة في امتلاك الأشياء أو القيام ببعض الأفعال أو حتى بالتواجد مع أفراد بعينهم، لكن الغريب أنهم بعد فترة من الزمن قد تطول أو تقصر يزهدون في ما بين أيديهم ويبحثون عن الجديد بدعوى السعادة أيضًا.
هناك من يعتقد مثلًا أن سعادته في الدنيا تكمن في شراء سيارة، وأنها ستكون من أسباب راحته وتسهيل حياته وأنه من دونها يعاني الصعاب، وإذا حصل عليها لن يتمنى غيرها. وبعد شرائها ومرور فترة من الزمن يعتاد عليها، ثم يتمنى الحصول على سيارة أكبر، ثم أكبر، فأكبر. وفي كل مرة عندما يتحقق حلمه لا يشعر بتلك اللذة والسعادة التي كان يتخيلها، ومهما كانت مظاهر السعادة و الفرحة العارمة التي يظهرها فهو يعلم في قرارة نفسه أن الشعور بنقص ما يظل قائم، الأمر الذي يدفعه للبحث عنها في مكان آخر. بالإضافة إلى أنه بعد فترة تفقد تلك الأشياء بريقها الخدّاع و تزول السعادة المزيفة التى شعر بها في البداية. وهذا غير منحصر في امتلاك الأشياء فقط، بل يسري على تقلد المناصب والشهرة والمكانة الاجتماعية بين الأقران، بل وحتى في بعض الأحيان عند الارتباط بين الأشخاص _ أي الزواج.
إن لأفلاطون فكرة قائلة بأن الإنسان عندما يمتلك شيء يتلهف عليه أول الأمر ويرى فيه جاذبية لا تقاوم فيولع به ويعشقه، ولكن بعد فترة وبعد أن يصل إلى ما يريد يموت الحب، فالوصال مقبرة الحب وبداية الملل والعزوف، بل وحتى الفرار والنفور.
لماذا يا ترى؟ ألم يكن ما وجدناه ينقصنا بالفعل؟ أليس بذلك الشيء نكتمل ونسعد؟ لماذا لا يدوم هذا النوع من السعادة لكن يدوم الإحساس بالنقص والألم؟ لماذا ما نتخيله من سعادة لا نجده حقًا؟ وهل هناك سعادة حقيقية ودائمة؟
إن الوقوف على حقيقة الإنسان ومعرفة جوهره قد يزيل هذا الغموض. فالإنسان هو حيوان ناطق. أي جسم مادي ينمو و يتحرك بإرادته ويحس بكل ما حوله، والناطقية أي له عقل يفكر به. لو تعمقنا أكثر لوجدنا أن الإنسان له جوهر مادي وجوهر نفساني، أي جسد وروح عاقلة.
فكل المحاولات الفاشلة للبحث عن السعادة كانت لإرضاء الجسد فقط، أي أن الإنسان كان يبحث عما ينقص الجسد ويريد إكماله. وحتى في بعض المحاولات التي تبدو في ظاهرها بعيدة عن المادية هي في حقيقتها وهمية، لأنها محدودة بالحدود المادية، مثل الشهرة والسلطة فمعاييرهما مادية في نهاية الأمر. وينسى الإنسان نصفه الآخر، النصف غير المادي، جوهره النفساني، روحه. إن متطلبات الجسد المادية ضرورية لكن الانغماس فيها لن يوصل لسعادة دائمة كاملة، وسيظل الإنسان يبحث عنها دون جدوى، لأنه يبحث في الطريق الخطأ، فلن يزيده كثرة المسير إلا بُعدًا.
إذا تعمقنا أكثر وجدنا أن سعادة الإنسان هي في الحصول على ما ينقصه، وهو يسمى كمالًا، وحبه يكون لهذا الكمال. فهو أولا يتعرف الكمال، ثم يشتاق إليه، فتتولد لديه الإرادة للتحرك والتوجه لهذا الكمال، ثم يتحرك فعليا للوصول إليه.
ولأن كمال الجسد هو كمال مادي، فهو يتصف بصفات المادة من تغير وزوال، وتزول معه السعادة الناتجة عنه. وكلما تحرر الكمال من قيود المادة كانت السعادة المرتبطة به أطول أثرًا، حتى يصل للكمال المطلق. الإنسان مفطور على حب الكمال المطلق، لكن تشخيصه لهذا الكمال قد يكون خاطئ، ولهذا يظل الإحساس بالنقص موجود ولا تدوم معه أي سعادة أخرى.
إن الإحساس المستمر بالاشتياق و البحث الدائم عن السعادة هو في حقيقة الأمر بحث عن الكمال المطلق، فإذا عرفت الكمال المطلق الصحيح لا تملك إلا أن تعشقه، وكلما تقربت إليه ازددت إليه شوقًا، وكلما تعلقت به رغبت عمن حولك زهدًا. إنه الحق المطلق والعدل المطلق .. إنه واجب الوجود .. إنه الله.
الروح العاقلة مجردة غير مادية لكنها تحتاج إلى ذلك الجسد المادي الزائل لتستطيع أن تصل لكمالها. هذا الارتباط والتعلق بالمادة يشعرها بالغربة، فهي ليست من هذا العالم ولا تنسجم معه، هي من عالم الملكوت وتنتمي إليه، هي تشتاق للعودة إلى الكمال المطلق. ومتى أدركَتْ هذه الحقيقة زال أي تعلق بالدنيا، ولم تأخذ منها إلا على قدر احتياجها للبقاء حتى يحين موعد اللقاء مع الحبيب الأول. ولا سبيل لهذا الإدراك إلا بالعقل، فالعقل هو الذي يتعرف الكون وخالقه، ويتعلم ما ينبغي أن يفعله من خير أو يتجنبه من شر. هذه المعرفة تقربنا إلى الله، ولكي تكتمل بها السعادة الحقيقية يجب أن يكون لها تطبيق عملي في حياتنا. معرفة نظرية بدون عمل لن تعطي النتيجة المرجوة. وتلك هي كمالات الروح العاقلة.
إذن الدنيا وعالم المادة سجنٌ لمن عرف الكمال المطلق الحق و عشقه، وكان من الطبيعي أن يشعر أنه غريب فيها، لقد وصل لحقيقتها الزائلة، وعرف أن السعادة الحقيقية هي في معرفة الإله و التقرب إليه. وهؤلاء الغرباء في الدنيا تكون حياتهم أسهل وأقل تعقيدًا من غيرهم، هم حقا يعيشون في سعادة ، و سعادة الغرباء هي سعادة قلبية لا يضاهيها أي سعادة .. فطوبى للغرباء.
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.