علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

استرداد رمضان

ليس عملًا شاقًّا ولا هو مستحيل، بل كلما أتى الشهر الكريم ورأينا ما يجرى في نهاره ولياليه علينا أن نتفكر بجدية ونتحاور بصوت عالٍ بخصوص ذلك، رمضان اختُطِف!

وهذه حقيقة يجب أن نُقر بها، اختُطِف من الذين “يتبعون الشهوات” ليجعلوا حال الناس “مايل” عن قوامه وقيامه فينا بحق وحقيقي، الشهوات كلها التي جاء الإسلام بقيم وأخلاقيات ليضبطها في إطارها الإنساني الطبيعي وزاد فجعل فينا شهرًا، ثلاثون يومًا تأكيدًا لهذا الضبط وتسهيلًا له ولممارسته ومزاولته يوميًا في إطار فكرة “العادة” بمغزاها ودلالاتها وعمقها في النفس الإنسانية.

ويربطها بكل ما هو صحيح وجميل في العادات والواجبات اليومية كما ينبغي أن تكون وفي صورتها الأكمل والأرقى، فتصبح جزءًا من طبيعة الشخصية الإنسانية الإيمانية المضيئة، رمضان وضع خط النهاية للفكرة الخطأ؛  “كما بدأت ستبقى”.

رمضان وكما يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي سيكون أيضًا: “تنسيقًا لمظهر الأمة كلها على مقتضى هذه الواجبات، وتوحيد مشاعرها وتمازجها لتقويم هذا المظهر بتقويم أجزائه البسيطة في عادات الناس البسيطة”.

وليس مثل رمضان وليس مثل أيامه ولياليه في إحداث هذا الأثر العظيم، أمام الذين يتبعون الشهوات ويريدون أن يجعلوا حال الناس “مايل وميت هايل” كما يقول المصريون في أمثالهم، ممن تدحرج أغلبهم في بحر الشهوات بفكرة الزحلقة والزفلطة واحدة، واحدة. لكن المؤكد أن هناك “رؤوس” تقوم على شطآن هذا البحر يسهلون فكرة الزحلقة هذه ويدعون إليها.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

يقول بعضهم أنها بدأت من أيام الدولة الفاطمية (969- 1171م)، التي اعتمدت في تأسيس نفسها على وسائل لم يسبقها إليها سابق كما يقول الأستاذ العقاد رحمه الله (ت1964م) من تسخير العلم والفن والقصص إلى المواسم والمحافل، إلى الأعياد والعادات الاجتماعية، وكما يقول هي بحق نموذج لقيام الدول بـ”الحول والحيلة”.

لكنهم أدخلوا على عادات المصريين الاجتماعية كثيرًا مما “استحلاه” المصريون الطيبون من عادات الفرفشة والتفاريح وجرت الأيام بما تجري به.

وحتى حين ذهب الفاطميين بمذهبهم وذهبهم، وجاء صلاح الدين (ت 1193م) ووضع يده في يد المصريين وأجابوه، وأجابوه بقوة الصراحة، لكنهم استبقوا هذه العادات التي أصبحت قطعة من ذاتهم الاجتماعية والدينية.

إن يكن من أمر فواقع الحال أن هناك من اختطف شهر رمضان ووظفه لغرض بعيد عن مقصوده وهدفه العميق، شهر كل عام للتوقف والتبين والمراجعة والتصحيح والحذف والتثبيت على مستوى الفرد والمجتمع.

جاء من جاء ودفع بعملية الاختطاف هذه إلى أبعد مدى ممكن أن تُدفع إليه في الطريق المعكوس ووجد الطريق مفتوحًا ومتاحًا للأسف، وما الخيام الرمضانية والليالي الرمضانية والسهرات الرمضانية والأكلات الرمضانية والمسلسلات الرمضانية والفوازير الرمضانية، إلخ إلخ، إلا عزفًا على هذا اللحن القديم.

إذا “استرددنا رمضان” في إحياء وبعث “درب الوصول والقرب”، لتغير حالنا وحال الناس، بروعة التفكر وطول النظر وعظمة الوسيلة وجلال الغاية.

وفورًا وحالًا، سيستيقظ “الإنسان النائم” وينتبه “الإنسان التائه”، فينا وبنا ومنا ولنا، وللأمة كلها.

مقالات ذات صلة:

التناقض الأليم في رمضان!

كيف تتهذب النفس البشرية؟

شهر رمضان .. صالة تدريب الروح

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. هشام الحمامى

رئيس المركز الثقافي اتحاد الأطباء العرب – عضو الأمانة العامة والمجلس الأعلى لاتحاد الأطباء العرب – مدير الشئون الطبية بقطاع البترول