إصداراتمقالات

دون سابق إنذار

    تخيل أنك في يوم استيقظت ذات يوم، فوجدت الشمس تشرق دون تدرج فتم الانتقال المفاجئ من الظلام الدامس إلي وضوح النهار، وعند غروبها غربت أيضا دون تدرج فوجدت نفسك بوسط الظلام دون سابق إنذار، أو تخيل أننا انتقلنا من فصل الحرارة إلي فصل البرودة فجأة أو من فصل البرودة للحرارة فجأة دون حلول فصل يعقبهم يمهد لك التغير في الجو.

    تخيل بذر البذور ونضجها في الحال دون إتمام لتكوينها، كيف يكون طعمها وهل ستحتوي علي قيمة غذائية؟؟ ، كيف يكون حال الجنين المولود دون أن يتم وقته الكامل في بطن أمه؟

نعم إنها سنة الله في كونه “سنة التدرج”، الشئ الذي ينتهي قبل أوانه وقبل إتمام إعداده يموت، فلا نستطيع الحياة دون تدرج، إذا كانت هذه هي سنة الخالق في الكون، فوضعها كي يتفكر الإنسان بها ويسير وفق منهجها.

    وكل هدف له وقته في النضج، فنجد الخضروات تأخذ وقتا قصيرا في النضج وكذلك تذبل في وقت قصير، بينما تمثل شجرة التين إحدي الأشجار المثمرة الأطول عمرا، هي الشجرة التي تنمو في الأرض الصخرية والصحراوية، وهي كذلك من أكثر الأشجار تحملاً للعطش ومقاومة للجفاف، وبالرغم من ذلك فهي غزيرة الإنتاج وتتميز ثمارها المعروفة منذ قدم الأزل كغذاء ودواء، بطعمها اللذيذ وقيمتها الغذائية التي لا يعلى عليها، هي شجرة التين المباركة التي أقسم بها الله عز وجل.

    فكيف إذا بإنسان يريد النجاح ويريد أن يرى النتيجة  دون إعداد وتدرج، وكيف لطالب الحكمة أن يصل إليها مباشرة دون أن يتدرج في إبحاره ببحور العلم والمعرفة ويصبر علي ذلك حتي يصل، وكيف لنا نريد علاقات زوجية ناجحة تقوم عليها روابط أسرية، تكون الأسرة بها نواة أمُة دون تدرج، دون إعداد فكري للطرفين، وإعداد المشاركة المشتركة بينهم، وضوابط للاختيار؟!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

     قال الله في كتابه “فَانتَقَمْنَــا مِنَ الَّذِيــنَ أَجْرَمُوا وَكَـــانَ حَقّــاً عَلَيْنَـا نَصْــرُ الْمُــؤْمِنِينَ”

لتصل للنصر لابد أن تكن أولا من المؤمنين، المؤمنين الذين ءامنوا بالله علي علم ولم يشركوا به شيئا، سواء مادة أو سلطة أو هوي أو عرف …. إلخ، فآمن حقا وسعي لمعرفة من آمن به وبتطبيق منهجه القويم، فأعد ما استطاع من قوة تحت مظلة القيم والخلق القويم التي استمدها من بارئه…..

إذا الإعداد للإيمان يحتاج وقته حتي يترسخ داخل الإنسان ولن يترسخ حتي يجُاب علي تساؤلاته التي تحيره ويصل إلي خالقه يقينا واقتناعا، حتي ينجو من إبحاره داخل ذاته العميقة التي تتساءل وتتساءل، وينجو من طلبات شهواته، ليتخطي كل ذلك اقتناعا، فيصل حقا للإيمان الخالص.

   فما بال بناء أمة وسيادة قيم علي أرض اتسعت أرجاؤها وتراجع أهلها، هل يتم البناء دون تدرج؟!!

كيف؟! وهذه هي سنة الكون ؟؟!!!!

فالتدرج الأصل، فعلينا أولا بإعداد فكر جيل يستطيع التغلب علي سيطرة الآخر ويعيش بحريته التي أعطاها إليه بارؤه، ويمتلك أدوات العلم والمعرفة.

     فإن أراد الإنسان قطف الثمار قبل النضج فلن يستطيع؛ لأن للكون قوانين يسير عليها، قوانين وضعها خالق الكون، وأنت يا إنسان ترس صغير في آلة الكون، تتحرك ضمنها وليس لك تأثير في وضع قوانين تلك الآلة المحكمة الصنع، فعليك أن ترحم نفسك أولا وتسير وفق السيمفونية الربانية، وأن تتبع سنة التدرج فلن تصل إلا بها، فإن لم تصل للنتيجة بسرعة، فعليك أن تموت علي الطريق، وبذلك تكون أتممت رسالتك، ليكمل بعدك جيل آخر يكمل الصورة ويصل إلي نهاية الطريق، وتكون أنت ترس حقيقي للوصول، وجزء أصيل من الصورة الكاملة.

ياسمين عبد الله

أخصائي نظم معلومات جغرافية

باحثة بالجغرافيا السياسية

باحثة بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالقاهرة