مقالات

صعود وهبوط!

يسألني أحد أبنائي في يأس: هل انتهى الأمر؟ هل نحن على باطل وهم على حق؟

قلت له إن الأمور تتغير والحظوظ تتقلب، وهذه سنة الله في الكون بغض الطرف عن الدين والعرق واللغة والموقع الجغرافي، البلاد والحضارات والأمم كلها في صعود وهبوط!

صعد الفراعنة ثم هبطوا، صعد الرومان ثم هبطوا، صعد العباسيون ثم هبطوا، صعد التتار ثم هبطوا، صعد العثمانيون ثم هبطوا، صعد الإنجليز ثم هبطوا، صعد الإسبان ثم هبطوا، صعد الفرنسيون ثم هبطوا، صعد الأمريكان وسوف يهبطون قريبًا جدًا جدًا.

سويسرا

سويسرا اليوم أعلى مستوى معيشة ودخل في العالم، بلد محايد لا يدخل حروبًا ولا تحالفات، اقتصاد مزدهر: بنوك، أموال، أبحاث، شركات، هذا في الـ100 سنة الأخيرة. لكن هل تعرف ماذا كانت سويسرا في القرن الـ19؟

كانت من أفقر بلاد العالم، نعم، وكان السويسريون يهاجرون بمئات الآلاف إلى فرنسا وألمانيا وأمريكا الجنوبية بحثًا عن لقمة العيش!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

اليوم الناس من ألمانيا وفرنسا وأمريكا الشمالية والجنوبية تحلم بالعمل في سويسرا والحياة في رفاهية ونظافة!

طيب قبل ذلك، في القرن الـ18؟ كانت سويسرا ممزقة في حروب أهلية بشعة بين مقاطعات سويسرا المختلفة، تحت شعار التنويريين (المقتنعين بأفكار الثورة الفرنسية) ضد المحافظين (المقتنعين بأفكار المسيحية المحافظة).

طيب قبل ذلك في القرن الـ17؟ كانت أيضًا في حروب أهلية بين المقاطعات، تدمر كل شيء، بين المؤيدين لفرنسا والمؤيدين للنمسا أو ما كان يسمى وقتها الإمبراطورية الرومانية المقدسة!

طيب في القرن الـ16؟ كانت أيضًا في حروب أهلية دينية بشعة دمرت مقاطعات سويسرا كلها تقريبًا، بين البروتستانت والكاثوليك، وعلى أسباب تافهة.

طيب والقرن الـ15؟ كانت سويسرا أراضٍ جبلية قاحلة فقيرة، من يعيشون فيها يحاربون بعضهم على أي شيء تافه، وبما أنه لا يوجد مصدر للرزق، فكانوا يعملون مرتزقة محترفين للقتال لدى الممالك والإمارات المجاورة، كي يحصلوا على بعض المال ويرسلونه إلى أهلهم في جبال سويسرا.

طيب والقرن الـ14؟ لم يكن هناك شيء اسمه الاتحاد السويسري أو الكونفدرالية السويسرية، كانوا فقط أناسًا تائهين في الجبال، لا يحترمهم أحد، ولا يرى فيهم أحد أي شيء، ناس متخلفون فقراء تائهون يتقاتلون على أي شيء وكل شيء! شرذمة من رعاة غنم متخلفون أغبياء، ولا أحد يهتم بهم، يتحدون مع بعض ضد أي غزو خارجي، لكن ما إن يخرج الغزو الخارجي، تتوجه أسلحتهم إلى بعضهم ليحارب بعضهم بعضًا على أي شيء، دين، سياسة، أفكار، قومية، أي شيء.

الدرس: الأيام دول، ودوام الحال من المحال، ومن ينظر إلى سويسرا منذ قرن أو قرنين من الزمان، سيرى صورة مشابهة جدًا لأفغانستان اليوم مثلًا، أو السودان، أو الصومال، أو لبنان.

فلا تيأس يا صديقي، ولا تصدق خرافات أن القصة قد انتهت وكتبت نهايتها، القصة مستمرة، وستستمر، إلى أن يتحقق وعد الله.

اقرأ أيضاً: 

ستنصرون.. ويهزمون والموعد الله

كمائن الموت

انهيار الاتحاد السوفييتي

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. خالد عماره

الاستاذ الدكتور خالد عماره طبيب جراحة العظام واستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة عين شمس