مقالات

حَتَّى قُلْتُ: لَيْتَنِي كُنْتُ!!

كعادتي الأسبوعية انطلقت مساء أمس الجمعة إلى السوق لاشتراء أغراضي، وبعد أن جلبت ما أريد من أنواع الفاكهة والخضروات، عطفت على بائع السمك، وكنت قد ارتديت ملابسي الرياضية الأنيقة (كعادتي طبعا)، فلما رآني البائع تهلل وجهه، وانفرجت أساريره، وبالطبع لم أعرف لذلك سببا، لكنه لم يمهل فضولي حتى نظر إلي باهتمام شديد، وحدق في وكأنه يعرفني، وأقبل علي كأنه صديق حميم، قد انقطعت بيننا السبل، وتفرقت بيننا الدروب،

فقلت في نفسي: “هذا أمر عادي، فأنا شخص معروف، وربما قد رآني، أو سمع عني من قبل، فأنا أستاذ جامعي قد الدنيا”، بيد أنه فاجأني وقال لي: “يا كابتن، يا كابتن، مرحبا، يا مرحبا، وسع يا واد للكابتن”، قائلا لطفل صغير كان بجواره، غير مكترث بمن حوله من زبائن غيري قد تكأكؤوا عليه،

ثم أكمل: “عاوز كام كيلو يا كابتن، اللي تأمر بيه يا أبو الكباتن، دا أنتو الخير والبركة”، كتمت في نفسي ضحكة كادت تخرج، لكنها اختفت في زحام أفكاري المتلاطمة، وعقلي الذي كاد ينفجر، “اثنين كيلو” قلت له، فرد بسرعة: “خمس دقائق يا كابتن، وأنا أظبطهم لك”، “كابتن! كابتن!” قلت في نفسي متضايقا: “في الآخر كابتن! أنا كابتن! ما علينا، لله الأمر من قبل ومن بعد، آدي آخرة اللي يلبس ترينج شيك”.

لَيْتَنِي كُنْتُ

ثم أكمل مخاطبا إياي: “والله يا كابتن، باين عليك لعيب كورة كبير، وكبير أوي كمان، باين من شكلك ومن لبسك”، وأنا أهز رأسي موافقا على سبيل المجاراة، وقد أسقط في يدي، بيد أنه لم يكتف بذلك، بل قال لي: “باين عليك مدرب، صح، مدرب، أي والله مدرب”،

ثم استطرد: “معلش يا كابتن، أنا هقصدك في خدمة كده، ويا ريت متكسفنيش، بصراحة أنا ابني محمود بيلعب في مركز شباب الفيوم، وكنت عاوز أنقله لمصر المقاصة، أو النادي الأهلي، وحاولت بكل الطرق، لكن محدش سأل فيا، وأنت أبو العارفين إن كل حاجة في البلد دي بالوسايط، وعلى فكرة ابني حريف، وبيلعب فِرْوِدْ جامد أوي.. تقولش محمد صلاح في زمانه”،

اضغط على الاعلان لو أعجبك

فقلت له: “إن شاء الله خير”، فقال البائع: “يعني هتساعدني وتنقله يا كابتن، والنبي، والنبي تقف معايا، دا أنا راجل غلبان، وعلى باب الله، ومش هنسالك الجميل ده طول عمري، والواد هيعجبك أوي!!”.

ثم طلب مني رقم الهاتف، ولا أخفيكم، فقد بدلت رقمين، ثم أسرعت فأغلقت هاتفي حتى لا يكتشف المسكين الخدعة، ولا أخفيكم أيضا أنني خفت أن يكشف عن هويتي، فكنت أنظر يمنة ويسرة حتى لا يتعرف علي أحد المارة، لا سيما ونحن في سوق الجمعة، وهو فرصة لوجود بعض الزملاء أو الطلاب الذين يشترون حاجاتهم منه،

نعم، كنت حذرا أن يكتشف البائع خبيئة أمري، ويعرف شخصيتي، وأنني لا سمح الله لست كابتنا، وإنما أستاذ ورئيس قسم ووكيل كلية سابق وشاعر، يعني من الآخر بتاع علم، مش بتاع كورة، نعم، خفت أن يعرفني على حقيقتي، فأسقط من نظره، ويعلم أنه قد استند على حيطة مايلة، وبعد أن ناولني السمك كأحسن ما يكون تنظيفا، وحلاوة، ووزنا، انطلقت، وفي النفس حسرة، وفي القلب غصة، وقد علت الوجه كآبة، والروح كدرة، وأنا أردد: “كابتن، كابتن، كابتن”، حَتَّى قُلْتُ: “لَيْتَنِي كُنْتُ!!”.

اقرأ أيضاً:

ما أبشع أن تكون ضعيفًا في هذه الدنيا

أخلاق ابنة العاشرة

المعطف.. قصة وطن!!

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

أ. د. محمد دياب غزاوي

أستاذ ورئيس قسم اللغة العربية- جامعة الفيوم وكيل الكلية ( سابقا)- عضو اتحاد الكتاب